قبل أن تجرى الانتخابات البلدية والاختيارية في لبنان، وهي بالمناسبة تجري على 4 مراحل مناطقية، كانت كل التصريحات والمواقف الصادرة عن القوى السياسية والحزبية اللبنانية، ترفع شعار التنمية وقضايا المواطنين المعيشية بيومياتها.
وكانت أدبيات الأحزاب والقوى والشخصيات السياسية، تؤكد أنها تقارب الاستحقاق الانتخابي البلدي والاختياري بعيدًا عن السياسة، آخذين بعين الاعتبار التركيبات العائلية في القرى والبلدات والأحياء.
معارك انتخابية
لكن ما إن انطلق الاستحقاق الانتخابي حتى تبدل المشهد تمامًا، فتحول إلى مجموعة مبارزات سياسة في المراحل الثلاث الأولى، وواضح أنها ستستمر على هذا النحو في المرحلة الرابعة والأخيرة.
ومن الناحية العملية، تظهّرت معالم معارك انتخابية لم تكن تقل بحدتها عن المعارك التي تخاض عند الاستحقاق النيابي.
ويعتبر بعض المراقبين أن الانتخابات البلدية الراهنة، تمثل اختبارًا سياسيًا وتمثيليًا للأحجام والقوة في الشارع تريده الأحزاب، تحضيرًا للانتخابات النيابية المقبلة سنة 2026، حيث أن المعركة ستكون مفصلية للعديد من القوى والأحزاب والشخصيات، خصوصًا بعد الانقلاب الجيوسياسي الذي أصاب المنطق.
سلاح "حزب الله"
وقد نال لبنان حصته في الانقلاب، بعدما تمكنت إسرائيل من توجيه ضربة قاصمة لـ"حزب الله"، ما أدى إلى تغيير في موازنين القوى في المعادلة اللبنانية، وبالتحديد في الجانب الأمني والعسكري، بعدما تم وضع بند نزع سلاح "حزب الله" على جدول الأعمال للبناني العربي و الدولي.
وأتت جولة الانتخابات الأخير يوم الأحد الفائت في منطقة البقاع شرقي لبنان والعاصمة بيروت، كإستحقاقين يمكن أن يعطيا فكرة عن المزاج الشعبي في لبنان:
- في محافظة البقاع حيث تطغى الديموغرافيا الطائفية الشيعية: تمكن "الثنائي الشيعي" المؤلف من "حركة أمل" برئاسة رئيس مجلس النواب نبيه بري و"حزب الله"، ليعيد الإمساك بالتمثيل البلدي على النحو الذي كان حاصلًا في الانتخابات الأخيرة عام 2016، وذلك اعتمادًا على عاملين، الأول وهو الخوف من المجهول عبر شد العصب المذهبي بعد مقتل معظم قادة الحزب المذكور على يد إسرائيل، والثاني عبر التمسك بقيادة الرئيس نبيه بري للمرحلة كضامن لشعور "الأمان". وما من شك في أن قدرة الحزب المذكور على ممارسة نفوذه مرة جديدة على خلفية الوعود بالتعويض على الأضرار المادية التي منيت بها شريحة واسعة من الناخبين الشيعة، التي لا تزال تأمل بإعادة بناء قراها والحصول على تعويضات مالية كبيرة يعدها بها قادة الحزب الجدد.
- في عاصمة محافظة البقاع: منحت مدينة زحلة ذات الديموغرافيا المسيحية شبه الصافية، وتعتبر أكبر مدينة مسيحية كاثوليكية في الشرق، انتصارًا تاريخيًا لحزب "القوات اللبنانية"، بمواجهة ائتلاف واسع من القوى والأحزاب والشخصيات. وقد فاز الحزب المذكور بجميع المقاعد البلدية في المدينة، مرسخًا بذلك نفسه كأكبر حزب مسيحي في لبنان، والأقرب إلى الوجدان المسيحي بلا منازع. وهذا الواقع لا بد أن ينعكس على الانتخابات النيابية المقبلة، حيث يقدر مراقبون أن تحصد "القوات اللبنانية" عددًا كبيرًا نسبيًا من المقاعد في البرلمان المقبل.
- في العاصمة بيروت: جاءت المعركة على خلفية شعار المحافظة على المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في عدد المقاعد في المجلس البلدي المؤلف من 24 مقعدًا، حيث كان التحدي إيصال 12 عضوا مسلمًا و12 مسيحيًا، وذلك في ظل الخلل الديموغرافي في العاصمة، حيث الأكثرية إسلامية والأقلية مسيحية. وقد كان رئيس الحكومة رفيق الحريري أخذ على عاتقه لما كان يتمتع به من موقع تمثيلي كبير في بيروت، تأمين المناصفة بين المسلمين والمسيحيين بصرف النظر عن العدد، وقد أكمل نجله الرئيس سعد الحريري التزامه بهذا التعهد.
شعار المناصفة في بيروت
وفي الانتخابات التي جرت يوم الأحد، تواجهت لوائح عدة لكن الأبرز كانت 3:
- اللائحة الأولى: ضمت ائتلافًا حزبيًا من الأحزاب المنتمية إلى طوائف عدة وبعضها متنافر سياسيًا. وكان شعار المحافظة على المناصفة مهمًا، في ظل مطالبة جهات سياسية وشخصيات مسيحية بإنشاء بلديتين واحدة بغالبية إسلامية والثانية مسيحية، نظرًا لصعوبة تأمين المناصفة مع الاختلال الديموغرافي.
- اللائحة الثانية: كانت مؤلقة من تحالف ضم "الجماعة الإسلامية" (الإخوان)، وأحد نواب بيروت وضمت شخصيات بيروتية، كان أبرزها عميد متقاعد مقرب من رئيس الحكومة السابق سعد الحريري و"تيار المستقبل" و هو العميد محمود الجمل.
- اللائحة الثالثة: تشكلت من مجموعة الجمعيات والنوادي التي تمسي نفسها "تغييرية"وبدعم من عدد من النواب، يطلقون على أنفسهم تسمية "التغييريين".
وبالفعل، فازت اللائحة الأولى التي ضمت تشكيلة من الأحزاب، التي عادة لا تلتقي في الانتخابات بجميع المقاعد فيما عدا مقعد واحد تمكن المرشح المشار إليه من اللائحة الثانية المقرب من "تيار المستقبل" من انتزاعه، في تصويت اعتبره المراقبون، أتى لتأكيد موقع الحريري وتياره السياسي والتمثيلي في بيروت السنية، بمواجهة الشخصيات التي خاضت المعركة خلف لائحة الأحزاب الأولى، فضلًا عن احتمال أن يكون الأمر اختبارًا للانتخابات النيابية المقبلة.
لكن اللافت، أن لائحة من يسمون أنفسهم "تغييرين" وبالرغم من قوتهم المالية والإعلامية وتبوؤ بعضهم مناصب حكومية واستشارية في وزارات حساسة، تعرضوا لهزيمة حيث فشلوا في إيصال أي من أعضاء اللائحة إلى المجلس البلدي.
ويمكن رسم خلاصة المرحلة الثالثة برمزيّتها السياسية كما يلي: إنها انتخابات سياسية بعيدة كل البعد عن العنوان الإنمائي. حزب "القوات اللبنانية" يرسخ نفسه باعتباره الحزب الأول مسيحيًا، و"الثنائي الشيعي" يثبت أنه لا يزال متمكنًا إلى حد بعيد من القاعدة الشيعية وسوف يكون يوم الأحد المقبل أمام اختبار المرحلة الرابعة والأخيرة في معاقله التقليدية في جنوب لبنان.
الخلاصة أخيرًا وليس آخرًا، فشل ذريع للنوادي والجمعيات التي تسمي نفسها "تغييرية"، مع انفضاض القواعد الشعبية عنها لأسباب كثيرة.