بهذا السؤال الجارح، افتتح ألبير كامو كتابه أسطورة سيزيف، واضعاً إصبعه على جرح الوجود المعاصر، جرح العبث وانعدام المعنى، والإلحاح المستمر للبحث عن تبرير للوجود في عالمٍ مفكك.
في مدينة تئن تحت وطأة الذاكرة والخراب، يظهر شبان يتسلقون النواعير، أذرعهم مفتوحةٌ كالطّير، يرددون مواويل سبعاوية عن فقدان الروح وحنينٍ مستحيل، ثم يقفزون نحو الماء كمن يعلن استسلامًا معلّقًا، أو انتصارًا لا يراه أحد. لا يسعون للموت، بل لإثبات الحياة بطريقة ملتوية، قفزة تشبه الضرب على جدار أبكم. هؤلاء هم النّكّيسة، والنّكّيسة هو جمع نّكّيس اسمٌ مشتق من فعل نَكَسَ أي بمعنى قفز نحو الماء في وضعية يكون فيها الرأس نحو الأسفل.
"يا صاح ما لك دوا غير أم الفداء تروح
من يوم فرقاكي يا حماه أصبحت حالي جثة بلا روح
ملهوف وقلبي نَوى لأسري إليها وروح..
حسرات جوا الحشا عفراق حزينة حماه..
وإن صاحت الأبطال، تحيا رجالك حماه،
أهل السخا والنخا
والله وأبطال راحت غدر من حماه أسفي عليها تروح!"
هكذا يقول النّكّيسة قبيل لحظة القفز في نهر العاصي، هذه اللحظة التي تحمل في طياتها سؤالاً عن الهوية والكرامة، يتحول فيها الجسد نفسه إلى وسيلةٍ تعبير وإلى خطابٍ جسدي يعلن ما لا يٌقال، أن هذه البلاد أصبحت ضيقةً على أبنائها وأن القفز ليس ألا طريقة لتذكيرها بهم، لكن الجسد لا يكتب البيانات، بل يلوّح بها في الهواء. يقفز، لا لينقذ نفسه، بل ليوقظ العالم على وجودٍ لم يره أحد، فتصبح القفزة في لحظة كهذه، فعلًا جسديًا متوتراً بين الألم والاحتجاج، بين الرغبة في أن يُرى، والخوف من ألا يكون، إنهم ليسوا مجرد ظاهرة محلية، بل حالة فلسفية وتعبيرٌ حي عن مفارقة كبرى هي أن تكون في بلدك ولا تشعر بالانتماء، أن تقفز بحثًا عن هوية، وتسقط مجدداً في نفس المستنقع الذي قفزت منه لأن لا فضاء يحتضنك. قفزتهم تشبه سؤال كامو عن عبثية الحياة، لماذا لا ننتحر؟ لكنهم لا ينتحرون؛ إنهم يقفزون ثم يخرجون من الماء، ليقفزوا مرة أخرى، وكأنهم يقولون للعالم: نحن هنا، نكسة بعد نكسة، ما زلنا نحاول.
النّكّيس هو الشخص الذي لم يُهزم في معركة
إنّ البنية الزمنية الكامنة في فعل النكسة تبدأ بعلو لحظي، يليه سقوط حتمي وفي هذا التعاقب تتجسد الفكرة كلها، بين التوهّم والعقوبة، بين ذروة مصطنعة ونهاية واقعية.
في النكسة، ثمة لحظة قصيرة يعلو فيها الجسد. لحظة خادعة، لا تُقاس بالزمن، بل بالوهم كأن الهواء نفسه يصدقها. الذراعان المفتوحتان لا تطلبان الطيران، بل تُجسّدان ما يشبه الانعتاق، صعود بلا سلّم، بطولة بلا مسرح. في تلك الثانية المعلّقة، يبدو كل شيء ممكنًا، التحرر، الاعتراف، بل وحتى الغفران.
لكن الهواء لا يُحمل، والجسد لا يَنسى ثقله وما بدا في البداية قفزةً نحو الأعلى، هو في جوهره سقوط داخلي أعمق. انتصارٌ بلا خصم، وهمٌ مؤقت يرتدي ثوب البطولة. اذ يتلو العلو سقوطٌ لا بدّ منه، كخاتمة مكتوبة سلفًا. وهنا يتجلى الفعل في معناه الكامل النكس. لحظةٌ يعود فيها الجسد إلى الأرض، ليس كما كان، بل مخلوعًا من وهمه، خاسرًا ارتفاعه المؤقت ومحمولًا على صدىً خافت لا يصغي إليه أحد.
في هذا السياق يتمثل فعل النكس كإيماءة رمزية تعترض على زمن سياسي ميت، وعلى اقتصاد جائع لا يعرف الرحمة، وعلى واقع اجتماعي يفرز طبقاته بالقسوة لا بالجدارة، ضد حرب التهمت الأرض والذاكرة، وضد رأسمالية متوحشة أنتجت طبقات من اليأس. إنهم ليسوا مجرد مراهقين طائشين، بل مرايا مشقوقة تعكس انكسار وطنٍ كامل، النّكّيس هو الشخص الذي لم يُهزم في معركة، بل في اسمه، في نسبه إلى مكان لم يعد يتسعه، ولا يتّسع له. يبحث عن هوية لم تُمنح له ولا يملك لغةً يصوغ بها انتماءً واضحاً، فيجد في قفزته هذه آخر وسيلة للقول: أنا هنا
لم تكن نكسة 1967 مجرد هزيمة عسكرية، بل تأسيساً لوعيٍ بالهزيمة صار جزءاً من الذات العربية. وما أعقبها في حرب أكتوبر، لم يكن انتصارًا إلا على مستوى الخطاب، أشبه بوقوفٍ فوق رمادٍ لم يبرد، أو قفزةٍ لا يتبعها تحليق.
الانتصار في هذه الحالة، كان شكلًا آخر من النكسة الحموية لكن مكللاً بحفاوة أعلى، وموسيقى مراسيمية. كأن الجسد الجمعي آنذاك، قد تعلم أن النكسة لا تعني فقط السقوط، بل قد تأتي على هيئة صعود بلا معنى.
في هذا التماس بين الجسد الفردي الذي يقفز من النواعير، والجسد الجماعي الذي يتسلّق خطابات النصر، يظهر تماثل خفي، كلاهما يحرّك نفسه إلى الأعلى كأنما يحاول خلع الواقع عن جلده. لكن الجاذبية ثابتة، والنتيجة غالبًا واحدة سقوطٌ متكرر باسم انتصارٍ مؤجل.
في حضرة السقوط، يبدو الصعود نفسه شكلاً من أشكال الخديعة.