يترقب العالم كيف سيُحسم الملف الأوكراني، في وقت يشكل فيه أولوية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، خصوصًا بعد تبنيه لمعالجة الملفات المستعصية كـ"عرّاب للسلام"، جولة لم تكن كسابقاتها، رغم فشلها وعدم إحرازها لأيّ نتائج، إلا أنها فتحت الباب على أنّ التخلي عن أوكرانيا بات هو المؤكد أميركيًا.
تسوية سلمية في أوكرانيا
وتشير نتائج المحادثات بين ترامب زيلينسكي، والتي جرت في فلوريدا، إلى أنّ "خطة السلام" التي وضعتها كييف ليست مقبولة من الجانب الأميركي، حيث رفض ترامب دعم "النقاط العشرين" التي اقترحها زيلينسكي كمقترح سلام جديد، ما شكل نكسة للسلطات الأوكرانية، إذ إنّ تمسك ترامب بموقفه حول ضرورة حل النزاعات، بما فيها النزاعات الحدودية، في البرلمان أو عبر الاستفتاءات، ألقى غموضًا واضحًا على إمكانية نجاح مبادرات السلام الأوكرانية، خصوصًا وأنها لا تلتقي نهائيًا مع الشروط الروسية الثابتة لإنهاء الحرب.
ولتوضيح هذه النقاط، فقد أثار ترامب أنّ إمكانية إجراء استفتاء للتوصل إلى تسوية سلمية في أوكرانيا، وهو خيار إن تم تطبيقه ليس مضمونًا لجهة أنّ أغلب الأوكرانيين ليسوا مع الحرب، وينتشرون في الشتات حول العالم، ويعلمون تمامًا أنّ خيار الحل يرتبط بقبول موسكو لا كييف، لذا ستتجنب كييف هذا الطرح بكل تأكيد، إلى جانب يقين عام من أنّ المكالمة بين ترامب وبوتين وطول مدتها كانت لصالح موسكو من دون ادنى شك، مع الإشارة إلى أنّ هناك أمرًا مهمًا جدًا، وهو أنّ الوفد التفاوضي الأميركي برئاسة ستيف ويتكوف، يتحدث مع أوكرانيا وأوروبا بنقاط مختلفة تمامًا عما يدور مع روسيا، فالنقطة الأبرز كانت في اجتماع ترامب وزيلينسكي هي الاستمرار في المفاوضات، ما يؤكد فشل هذه النقاط.
غير أنّ فشل هذه المحاولة لا يعني نهاية المسار، إذ قد يُعقد اجتماع قادم بين دونالد ترامب وفولوديمير زيلينسكي في واشنطن، في وقت مبكّر من شهر يناير مطلع العام الجديد، وهو من النقاط المؤكدة التي تم الاتفاق عليها، أما خطة السلام الأوكرانية لم تنجح إذا تم تجميلها وقلنا إنها مرفوضة أميركيًا، إلا أنّ المهم لزيلينسكي في هذه المرحلة الحفاظ على إمدادات الأسلحة والمعلومات الاستخباراتية الأميركية، ويبدو هذا المعطى أيضًا لم يُكتب له النجاح، خصوصًا مع إصرار روسيا على انسحاب القوات الأوكرانية من إقليم دونباس بالكامل، فإذا كان إعلان زيلينسكي أنّ هذا البند لم يُناقش، فأيّ خطة سلام التي تحدث عنها، وجل الأزمة بدأت في دونباس وتنتهي فيها؟!
اتفاقيات في فبراير أو مارس
أما الشروط الروسية وبحسب المعطيات المتاحة، يبدو أنه تم الاتفاق عليها كلها، باستثناء بعض القضايا الخلافية وهي قضية الحدود ومحطة زابوروجيا للطاقة النووية، إذ لا تزال الضمانات الأمنية غامضة تمامًا، رغم وعد ترامب بتقديمها، لكنه لم يُفصح عن أيّ تفاصيل، أما بالنسبة للرئيس الأوكراني، فقد أبدى مرونة حول استعداده لمناقشة مسألة الحدود، لكنه يطلب في المقابل من الغرب الحماية وهذا أمر مرفوض كليًا من جانب الاتحاد الروسي.
هنا برز الاستفتاء نقطة جوهرية ومقبولة أميركيًا، لدرجة أنّ ترامب نفسه مستعد للقدوم إلى كييف لإقناع الشعب الأوكراني، وفي المقابل لا يمكن إنكار حاجة روسيا إلى ترامب لممارسة المزيد من الضغط على زيلينسكي وإجباره في نهاية المطاف على التنازل عن أراضٍ أصبحت بحكم السيطرة الميدانية ملكًا لروسيا حتى وإن كان بطريقة غير مباشرة، لذا يعتمد الوضع إلى جانب المرونة، إلى اعتماد المناورة خصوصًا الأميركية لأنّ ترامب يرى أنّ من المناسب حل هذه الأزمة في عهده وهي ضربة مباشرة لخصومه من الديمقراطيين الذين دعموا أوكرانيا وجرّوها إلى حرب غير متكافئة دمرتها على جميع الأصعدة.
وبشكل عام، لا يبدو أنّ كل ما يُناقش حاليًا يُفضي إلى سلام دائم أو معالجة للأسباب الجذرية للأزمة، بل هو أقرب إلى تجميد الصراع وفقًا لشروط روسيا، كما يبدو أنّ الأمور لم تستقر بعد، غير أنّ هناك توقعات جديدة، مثل التوصل إلى اتفاقيات في فبراير أو مارس المقبل، وهي توقعات تكررت كثيرًا في السابق، لكن رغم ذلك ولأول مرة نستطيع القول إنّ هناك قرارًا دوليًا خرج من البيت الأبيض ومر بالكرملين ينتظر وضع التفاصيل الأخيرة حتى تتم بلورته، لكنه لن يعجب أوكرانيا ولا الداعمين الغربيين في المحور الأطلسي، فإما أن تستمر الأزمة عسكريًا أو القبول بما هو موجود.
غير أنّ التطور الأخير عبر استهداف مقر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في منطقة نوفغورود، قلب الموازين وبعث برسائل روسية قوية أبرزها إعادة مراجعة الموقف التفاوضي الروسي في ضوء محاولة كييف مهاجمة مقر إقامة الرئيس الروسي، فضلًا عن عدد من الاتفاقيات المبرمة سابقًا، كما أنه سيعقّد نهج واشنطن في العمل مع كييف التي بعثت برسالة غير موفقة أضعفت موقفها بشكل لا لبس فيه.