hamburger
userProfile
scrollTop

يوم عبّد إحصاء السكان طريقي نحو الكتابة

طيلة شهر سبتمبر الماضي انشغل المغاربة بالإحصاء العام للسكان والسكنى (رويترز)
طيلة شهر سبتمبر الماضي انشغل المغاربة بالإحصاء العام للسكان والسكنى (رويترز)
verticalLine
fontSize

طيلة شهر سبتمبر الماضي، انشغل المغاربة بالإحصاء العام للسكان والسكنى، الذي يتكرر كل عشر سنوات، وهو الإجراء الطبيعي الذي تتبعه كل دول الأرض، وإن اختلفت الطرق، لكن أهدافه تتجلى دومًا في إجراء إحصاء دقيق لعدد سكان البلاد، وجمع معطيات ضرورية في فهم طبيعة وتطور المجتمع، بشريًا واقتصاديًا وربما ثقافيًا.

كالعادة، خلق الموضوع مجموعة من النقاشات، بعضها ضروري، ولا شك في أن بعضها الآخر مجرد زوابع في فنجان، فكان جدل مشاركة بعض الأساتذة في الإحصاء، الذي تجري أطواره طيلة شهر سبتمبر، وهو ما يعني بحسب متابعين خلق نوع من الاضطراب في بداية السنة الدراسية عند بعض التلاميذ، بما قد يؤثر على السير العادي للسنة الدراسية كاملة، كما برز جدل اللغة التي سيحاور بها الباحثون بعض الأسر، خاصة مع وجود بعض المناطق التي لا يتقن سكانها اللغة العربية، وبطبيعة الحال، قامت الجهة المسؤولة عن العملية بقطع الطريق على بعض المواقع الخاصة التي تبالغ في تغذيتها على الترندات، وربما فكرت حتى في التطفل على بعض الباحثين والأسر بتصوير تفاصيل العملية، بما يضرب حتى مبدأ الخصوصية الضرورية والطبيعية في هذا الصدد.

إحصاء سكاني

أستعيد أثناء الكتابة ذكريات كثيرة، فقد شاركت بصفتي باحثًا في الإحصاء السابق الذي جرى قبل عشر سنوات، أيّ عام 2014، وكنت وقتها طالبًا حديث التخرج، يحتاج لخبرة عملية من هذا النوع، خاصة في مواجهة الجانب الانطوائي من شخصيتي، مع ما ستمثله مقابلة كل هذا العدد من المواطنين من فك عقدة الخجل وقلة الكلام التي قد يعاني منها كل من هم في وضع مشابه لوضعي.

بعد فترة تكوين دامت لأسابيع، جرى توزيعنا على مجموعات وفق التقسيم الحضري والسكاني. حظيت بمساحة غريبة إلى حد ما، إذ جمعت في الآن نفسه بين حي سكني حديث نسبيًا، يضم منازل وشقق طبقة "متوسطة" إلى حد ما، إلى جانب حيّ عشوائي مما يعرف في المتداول المغربي بـ"البراريك" (التي أزيلت اليوم بالكامل في تلك المنطقة)، فوجدت نفسي أمام اختبار غير مألوف، حيث "نتجول" طيلة اليوم بين الشقق والمنازل، حاملين حقائبنا وأوراقنا وأقلامنا، التي تم تعويضها اليوم بلوحات إلكترونية تجعل المهمة أسهل نسبيًا.

سأحتفظ طبعا بخصوصية وتفاصيل ما عايشته طيلة شهر كامل تقريبًا، ما دام ذلك ركنًا أساسيًا من أخلاقيات المهمة، لكنني سأكتفي بالقول إن هذه التجربة غير المألوفة قد مكنتني من الاحتكاك بنماذج بشرية شديدة الاختلاف، وفهم الكثير حول عينة من المجتمع المغربي، في تدبيرها لعلاقاتها الإنسانية، أو نظرتها للسلطة بشكل عام، من بوابة تعاطيها مع عملية عادية وطبيعية في كل دول العالم كالإحصاء، فكان من شبه المستحيل مثلا إقناع بعض سكان دور الصفيح (البسطاء والأكثر أريحية عمومًا) بأن هذه العملية لا علاقة لها بعملية أخرى خاصة بهم، تستهدف إحصاءهم قبل توزيعهم على مساكن لائقة، كما أن هناك من يستقبلك بحفاوة ويصر على مشاركته طعام الغداء أو حتى كأس شاي، بكرم حاتمي منقطع النظير، ومن يحاصر باب المنزل بجسده، ناظرًا إليك في شك وريبة، على اعتبار أن كل من يأتي من "السلطة" يستلزم ذلك، من يراوغ في تهربه من ادعاء وجوده في المنزل لأسباب غير مفهومة، ومن يحول أسئلتك إلى "هجمة مرتدة" عنوانها "التحقيق" معك أنت، ومن يجيب على كل أسئلتك بسرعة، ثم يقابلك في اليوم الموالي وأنت تواصل عملك، ليقول باستهزاء إنّ الكثير من المعلومات التي قدمها لك خاطئة، وبنبرة تشف عنوانها "لقد خدعتك"، فتبتسم أنت وتكمل طريقك متجاهلاً إياه، دون الحديث عن مواقف ساخرة ومعبرة، مثل انكشاف بعض "الأسرار الأبوية الصغيرة"، كأن يكتشف الأبناء في تلك اللحظة، عند السؤال عن تاريخ الازدياد، أن الأم أكبر من الأب ببضعة أعوام، أو أنها أميّة لا تحسن القراءة والكتابة، عكس "ادعائها" لسنوات طويلة، فلا يلبث الأطفال أن يتدخلوا ببراءتهم المعتادة، باحثين عن حقيقة ما كانوا يجهلونه.

قصص لا تنسى

حمل كل يوم من هذه الأيام قصصًا لا تنسى، لا شك أنني كنت محظوظًا بها، مع بدء خطواتي الأولى وقتها في مساري الأدبي، فاقتنعت يومئذ أنّ المطالعة وحدها لا تكفي، بل إن الاحتكاك المباشر مع مختلف النماذج البشرية سيكون حاسمًا في صقل خبراتي، ومساعدتي على بناء شخصيات ورقية، تتجاوز سطحية الأبيض والأسود، لتغوص بشكل أعمق في تعقيدات الإنسان، وهو ما وفره لي شهر كامل، قضيته متجولاً بين الأحياء وطارقًا لأبواب البيوت، بحثًا عن معلومات لها قيمتها في فهم الخريطة المجتمعية لبلد يتأرجح دومًا بين أصالته ومعاصرته.