hamburger
userProfile
scrollTop

رأس السنة الأمازيغية: رمزيات الأرض والتاريخ

التقويم 2974 ينطلق من واقعة اعتلاء الملك الأمازيغي "شيشنق" عرش مصر (أ ف ب)
التقويم 2974 ينطلق من واقعة اعتلاء الملك الأمازيغي "شيشنق" عرش مصر (أ ف ب)
verticalLine
fontSize

احتفل أمازيغ شمال إفريقيا من جزر كاناريا غربا إلى واحة سيوا بمصر شرقا برأس السنة الأمازيغية 2974، وهو التقويم الذي يوافق يوم 12 و13 من التقويم الميلادي.

وفي السياق المغربي يعتبر احتفال هذه السنة مميزا بسبب كونه يتم لأول مرة في ظل ترسيمه عيدا وطنيا ويوم عطلة بقرار من الملك محمد السادس، القرار الذي اتخذ في شهر ماي من السنة الماضية.

ويعد رأس السنة الأمازيغية تقويما فلاحيا شمسيا عريقا، عرف في شمال إفريقيا منذ آلاف السنين، ويعبر في تقاليده وعاداته عن مدى ارتباط الفلاح الأمازيغي بالأرض، التي كانت تعتبر لدى الحضارات القديمة - الرومانية واليونانية والفينيقية - خزان القمح والشعير الأكثر سخاء.

ومع نشأة الدولة الوطنية الحديثة، وظهور المجتمع المدني الأمازيغي ممثلا في جمعيات ونخب جديدة، تحول الاحتفال برأس السنة الأمازيغية ليتخذ بعدا هوياتيا، حيث أصبحت الجمعيات تحتفل به في كل ربوع المغرب بأسلوب وطرق حديثة، لكن مع الاحتفاظ بجوهر المناسبة، الذي هو طابعها الفلاحي.

وتحمل احتفالات رأس السنة الأمازيغية في عاداتها وتقاليدها 4 رمزيات قوية، ذات دلالات عميقة سواء وطنيا أو إقليميا أو كونيا.

دلالة هوية الأرض:

حيث ترمز هذه المناسبة إلى ارتباط الإنسان الأمازيغي بالأرض وتقديره لخيراتها، التي يستمد منها الحياة وهوية الوجود، فإذا كانت عناصر اللغة والدين والإثنية كلها عناصر تتغير بالتمازج والتبادل الحضاري، فإن الأرض في ثباتها وصلابتها تبقى المصدر الرئيسي لقيم الإنسان الأمازيغي.

وقد واجه الأمازيغ من خلال ربطهم الهوية بالأرض، كل الإيديولوجيات الوافذة التي حاولت منحهم هويات أجنبية.

رمزية العراقة التاريخية:

بما أن كل تقويم يبدأ العد والحساب من واقعة ما يتم الاتفاق عليها، فإن التقويم 2974 ينطلق من واقعة تاريخية هي اعتلاء الملك الأمازيغي "شيشنق" عرش مصر في السنة 950 قبل الميلاد، وقد اختار الأمازيغ هذا التاريخ لما يرمز إليه من قوة وازدهار، حيث يؤشر إلى واحد من أقدم وقائع ظهور الأمازيغ على مسرح التاريخ.

ويكتسي هذا الرقم أهمية بالغة في الفكر الأمازيغي للحركات المدنية الحديثة، حيث يعد جوابا شافيا للإيديولوجيات العابرة للقارات، التي جعلت تاريخ المغرب وبلدان شمال إفريقيا يتقلص إلى حدود 12 قرنا الأخيرة فقط، وذلك حيث عملت الإيديولوجيا القومية العربية على جعل مجيء شخص عربي هاربا من مذابح العباسيين بالمشرق، وهو إدريس بن عبد الله العلوي، بداية للدولة المغربية، وهو ما يرفضه رفضا باتا أمازيغ المغرب الذين يمثلون غالبية السكان، والذين يعتبرون أن الدولة المغربية تعود إلى ما يزيد عن 33 قرنا، يدل على ذلك المدن والحواضر الأمازيغية التي تعود إلى ما قبل الميلاد بقرون طويلة.

رمزية فلاحية لحماية الموارد الطبيعية:

يقوم الأمازيغ في هذه المناسبة يوم 13 يناير من كل سنة بطبخ جميع ما تنتجه الأرض من حبوب وقطاني وخضار دفعة واحدة، في أكلات تقليدية تختلف أسماؤها من منطقة إلى أخرى ومنها "أوركيمن" و "إنبوبرن" و "تاكلا" و"الكسكس" ذو الخضار السبعة وغيرها من الأطباق، ويرمز ذلك إلى التيمن بسنة فلاحية جديدة تكون أكثر خصبا وعطاء، وبجانب هذه الأكلات يتم ترديد أشعار والقيام بطقوس احتفالية كالرقص الجماعي "أحواش" و"أحيدوس"، وتنطوي هذه الاحتفالات والعادات على رمزية الحفاظ على الموارد الطبيعة كالماء والشجر والمزروعات، وهي رسالة كونية يوجهها هذا الاحتفال إلى البشرية قاطبة، والتي تشكو في عصرنا من سوء تدبير تلك الموارد، مما أصبح يهدد مستقبل البشرية.

رمزية التجدد والتغيير:

من أقوى دلالات رأس السنة الأمازيغية تجديد نفس الحياة ومظاهرها، حيث من عادات الأمازيغ في هذه المناسبة تغيير الأواني القديمة والملابس والتخلص منها، بل وتغيير الأثافي التي توضع عليها القدور أيضا، حيث يرمز رأس السنة الأمازيغية إلى تجديد الطبيعة لروحها، إذ يتغير وجه الأرض والشجر، وتبدأ تكتسي حللا جديدة في استقبال الربيع. ولعل هذه الدلالة الأخيرة ذات أهمية بالغة بالنسبة للإنسان المعاصر، الذي يعاني من الرتابة والروتين وركود الحياة التي تتكرر بنفس الإيقاع، مما يبعث أحيانا على الملل والفتور، وفقدان دينامية الاستمرار.