يمرّ السودان اليوم بلحظة تاريخية حرجة، ربما الأصعب في تاريخه الحديث، لحظة تتشابك فيها مأساة الإنسان مع انهيار الدولة وتفكك المجتمع. فمنذ اندلاع الحرب في ربيع 2023، تحوّلت البلاد إلى ساحة مفتوحة للعنف والجوع والنزوح، فيما تنهار أبسط مقومات الحياة بوتيرة صادمة. خدمات أساسية توقفت، ومدن حوصرت، وأسر تفترش المجهول بحثاً عن النجاة. وفي ظل هذا الانهيار المتسارع، تتفاقم المأساة الإنسانية في الفاشر ومناطق أخرى، ليصبح السؤال أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: ما الذي يحتاجه السودان حقاً في هذه اللحظة المصيرية؟
3 خطوات عاجلة لإنقاذ السودان من الانهيار
عملياً، يحتاج السودان اليوم، وقبل كل شيء، إلى خارطة طريق عاجلة مؤلفة من 3 خطوات أساسية:
أولاً: وقف فوري وغير مشروط للقتال
إن وقف إطلاق النار لم يعد خياراً سياسياً، بل ضرورة وجودية لإنقاذ ما تبقّى من الدولة والمجتمع. ويقع هذا الالتزام أولاً وأخيراً على عاتق الأطراف السودانية المتحاربة، التي ينبغي أن تتوقف بالكامل عن المناورات العسكرية والسياسية، بما يتيح خلق حدٍّ أدنى من الأمن يمهّد لوقف الانهيار وانتشال البلاد من مسار الموت والدمار المستمر.
ثانياً: تدفّق عاجل وواسع للمساعدات الإنسانية
السودان يحتاج اليوم إلى الغذاء والدواء والمياه والكهرباء والوقود، وإلى إعادة تشغيل الخدمات الأساسية التي توقفت تماماً في مناطق واسعة. وهذه الخطوة تشكّل مرحلة مفصليّة في عملية تضميد الجراح وتهيئة الظروف المطلوبة للانتقال من الحرب إلى السلم. وهنا يبرز الدور الحاسم للمجتمع الدولي وأصدقاء السودان لإظهار أقصى درجات المسؤولية وتقديم الدعم المطلوب لتمكين البلاد من الخروج من محنتها واستعادة موقعها الطبيعي على الساحتين الإقليمية والدولية.
ثالثاً: إطلاق حوار وطني جاد للعودة إلى المسار الديمقراطي
لا يمكن للسودان أن يتعافى أو ينهض من دون إطلاق عملية سياسية شاملة تسمح لجميع القوى الوطنية بالجلوس إلى طاولة واحدة، بعيداً عن منطق السلاح والمصالح الضيقة. حوار يعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها، ويؤسس لنظام سياسي مدني مستقر، ويقطع الطريق على الإيديولوجيات المتطرفة، ويضع مصلحة السودان فوق مصالح الفرقاء المتنازعين.
إن بناء دولة واحدة لكلّ السودانيين، وتأسيس مؤسسات قادرة على صون الأمن وإطلاق التنمية وإعادة توحيد البلاد، يمثل شرطاً أساسياً لبدء مرحلة التعافي الوطني.
ويبقى السودان بحاجة أيضاً إلى عملية محاسبة عادلة للانتهاكات الجسيمة التي ارتُكبت خلال الفترة الماضية. وعلى الرغم من صعوبة تنفيذها حالياً وعدم كونها أولوية فورية، إلا أنها ضرورية لطيّ صفحة الألم وبناء مستقبل قائم على العدالة. وينبغي أن تكون هذه المحاسبة دقيقة وشاملة، تطال جميع الأطراف السودانية التي تورّطت في الجرائم وروّعت المدنيين الأبرياء.
إن مسؤولية إنقاذ السودان تقع اليوم بشكل أساسي على عاتق كل سوداني حر يطمح إلى مستقبل آمن ومستقر. يجب على كل سوداني أن يضع مصلحة البلاد فوق كل اعتبار، وأن ينحاز للسودان وحده، لا لأيّ طرف من الأطراف المتصارعة على السلطة التي مزقت هذا البلد العريق.
ويحتاج السودان اليوم إلى دعم كل الجهود الإقليمية والدولية الرامية لعودة البلاد إلى الطريق الصحيح نحو المستقبل، وعلى رأسها جهود الرباعية الدولية. فالبلاد بحاجة إلى أن تقول "نعم" للسودان الجديد المستقر الذي يشبه أبناؤه، و"لا" للفوضى والقمع الدكتاتوري والإديولوجيات المتطرفة.
بين الحرب والسلام: مسؤولية السودانيين
لقد بات جلياً أن أيّ حل عسكري لن ينهي أتون هذه الحرب، وأن دعم طرف على حساب آخر لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمة ومعاناة الملايين من السودانيين. لذا يحتاج السودان اليوم إلى قرار شجاع ومسؤول من أبنائه، قرار حاسم بعدم الانحياز لأيّ من الطرفين المتحاربين اللذين يشكلان وجهين لعملة واحدة هي خراب السودان وابتعاده عن مسار السلام.
كما أن السودان يحتاج اليوم، أكثر من أيّ وقت مضى، إلى الأصدقاء؛ الكثير من الأصدقاء من إفريقيا والعالم العربي والعالم أجمع. ففي هذه الأوضاع الصعبة يجب تسخير كل السبل لزيادة عدد أصدقاء السودان، حتى يتمكن من النهوض مجدداً، وإن كان ذلك يتطلب كسب ودّ الخصوم ومحاولة تحويلهم إلى شركاء. فهذا هو الواجب الوطني لكل غيور على وطنه، وليس كما تفعل بعض الأطراف التي تهاجم أقرب الأصدقاء وتحولهم إلى خصوم لمجرد أنهم لم يقدموا الدعم لها في هذه الحرب القذرة.
والأكيد أيضاً أنّ السودان يحتاج إلى الحشد الصادق من جميع أبنائه في مختلف المنابر والميادين ضد الانقلاب العسكري على السلطة المدنية ومشروع الدولة في البلاد، لكنه لا يحتاج إلى الحشد المسيّس ضد دول صديقة قدّمت وتقدّم الكثير للشعب السوداني، حتى ولو كانت على خصومة معها. فهذه التحركات هي استنزاف واستغلال لطاقات السودانيين ولن تجلب سوى المزيد من الانقسام والضرر.
إن السودان يقف اليوم على مفترق طرق تاريخيّ تتحدد عنده ملامح مستقبله لأجيال قادمة. فمصدر المأساة معروف، وفاعلوها معروفون، والضحايا هم أبناء هذا الوطن الذين دفعوا الثمن كاملاً. وقد بات واضحاً أن استمرار الحرب لن يجلب سوى المزيد من الخراب، وأنّ انتظار الحلول من الخارج لن يغيّر شيئاً ما لم يتخذ السودانيون بأنفسهم القرار الحاسم.
اللحظة التي يحتاجها السودان اليوم هي لحظة وعي وصدق مع الذات؛ لحظة يدرك فيها الجميع أن خلاص البلاد لا يصنعه السلاح، ولا التحالفات العابرة، ولا الاصطفافات الضيقة، بل يصنعه اتفاق السودانيين على إنقاذ وطنهم من هذا المسار الانتحاريّ. وحدهم السودانيون قادرون على فتح الباب نحو السلام، ووضع حدٍّ لهذه الحرب العبثية، وإعادة بناء دولة عادلة تستحقها أجيالهم.
ويبقى السؤال الجوهري الذي سيحدد مصير السودان:
هل سيختار السودانيون طريق الدولة والسلام، أم سيتركون الحرب تقرّر مستقبلهم؟