hamburger
userProfile
scrollTop

المملكة العربية السعودية في عيدها الـ95

الشراكة السعودية الإماراتية شكلت جبهة إقليمية متماسكة عززت الاستقرار في المنطقة (رويترز)
الشراكة السعودية الإماراتية شكلت جبهة إقليمية متماسكة عززت الاستقرار في المنطقة (رويترز)
verticalLine
fontSize

تحتفل المملكة العربية السعودية اليوم بعيدها الوطني 95، وهي مناسبة وطنية غالية لها مكانة راسخة في وجدان كل سعودي. وقد دأب السعوديون على إحيائها بفخر واعتزاز منذ عام 1932، تخليداً لذكرى توحيد المملكة وتأسيس الدولة الحديثة على يد الملك الراحل عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود.

المملكة: من تأسيس الدولة إلى حاضرها المشرق

لقد شكّلت هذه الدولة السعودية الحديثة، أو ما بات يُعرف بـ"الدولة السعودية الثالثة"، امتدادًا طبيعيًا ومتينًا للدولة السعودية الأولى التي أسسها الأمير محمد بن سعود، ثم الدولة السعودية الثانية التي أسسها الإمام تركي بن عبد الله آل سعود. وكان لكل منهما دورًا بارزًا وبصمة واضحة في التاريخ السياسي للمنطقة العربية خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر.

ولم يكن إعلان تأسيس الدولة السعودية الثالثة عام 1932 مجرد ولادة كيان سياسي جديد في شبه الجزيرة العربية، بل بداية قصة سياسية وحضارية متواصلة، أسهمت في رسم معالم المنطقة وأثّرت في مجرى التاريخ العربي والإسلامي لما يقارب القرن من الزمن حتى اليوم.

المملكة الناشئة آنذاك، المستندة إلى إرث تاريخي عريق وأسس صلبة، تمكنت سريعًا من بناء مؤسساتها وترسيخ حضورها كدولة محورية في العالمين العربي والإسلامي، مستفيدة من مكانتها الدينية باعتبارها حاضنة الحرمين الشريفين، ومن وزنها الاقتصادي كونها أكبر مصدر للنفط في العالم، فضلاً عن دورها السياسي كلاعب أساسي في المنظومة الدولية.

إن المكانة المتميزة التي تبوأتها المملكة منذ تأسيسها قبل خمسةٍ وتسعين عامًا وحتى اليوم، تعود أساسًا إلى معادلة فريدة تجمع بين قيادة حكيمة وشعب طموح يسيران معًا بخطى ثابتة نحو المستقبل. فمنذ عهد الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود وصولًا إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، كان لكل قائد بصمته الخاصة في صياغة صفحات ذهبية من التاريخ الوطني والإنساني الحديث.

رؤية 2030: قيادة شابة تُعيد صياغة المستقبل

يمكن القول إن تولي الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد في 21 يونيو 2017 شكّل علامة فارقة في مسار المملكة نحو المستقبل. فقد أعطى الأمير الشاب زخماً كبيرًا ونبضًا جديدًا كانت المملكة في حاجة ماسّة إليه، لترسيخ خطواتها الثابتة في إطار خارطة طريق جديدة تحقق التقدم والرخاء للشعب السعودي.

داخليًا، ارتبط اسم ولي العهد ارتباطًا وثيقًا بمشروع رؤية السعودية 2030، التي أعادت صياغة الأولويات الوطنية على أسس جديدة، وجعلت من التنويع الاقتصادي، والاستثمار في الإنسان، والانفتاح على العالم ركائز لمشروع النهضة السعودية. وبفضل هذا التوجه، بدأت المملكة تنتقل من الاعتماد على النفط إلى بناء اقتصاد متنوع قائم على الابتكار والتكنولوجيا والطاقة المتجددة والسياحة والثقافة.

وقد كانت ديناميكية الأمير محمد بن سلمان لافتة بشكل استثنائي، إذ قفزت المملكة خلال سنوات قليلة خطوات نوعية نحو الأمام على مختلف الأصعدة. فمن يزور البلاد اليوم يمكن أن يلمس هذا التغيير الشامل، سواء في أحياء الرياض وجدة، وعلى ضفاف البحر الأحمر، أو في معالم منطقة العلا ومدينة نيوم وغيرها من المشاريع الطموحة.

شراكة إستراتيجية لتعزيز الاستقرار الإقليمي

هذا التحول لم يقتصر على الداخل فحسب، بل شمل السياسة الخارجية أيضًا. فقد عززت المملكة مكانتها الإقليمية والدولية سريعًا، بفضل تفعيل شراكات إستراتيجية إقليمية ودولية مع العديد من الدول الصديقة، والعمل المشترك مع دول الجوار لتحصين المنطقة ومواجهة التحديات المشتركة.

ولا يمكن الحديث عن هذه المرحلة دون الإشارة إلى الشراكة الأخوية بين الرياض وأبو ظبي، والعلاقة الخاصة بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد. إذ ساهمت هذه الشراكة بشكل كبير في تشكيل جبهة إقليمية متماسكة عززت الاستقرار في المنطقة وحمت المصالح الخليجية في لحظات تاريخية حساسة.

انطلاقًا من موقعها الريادي على الصعيدين العربي والإسلامي، كان للقضية الفلسطينية حيز بارز في السياسة الخارجية للأمير محمد بن سلمان. فقد تجلّت جهود المملكة المكثفة في الدفاع عن الفلسطينيين وحقهم في العيش في وطنهم بأمن وكرامة، بالتعاون مع بعض الدول العربية الفاعلة مثل مصر والإمارات والأردن وقطر.

وتجسدت هذه الجهود من خلال الشعار الشهير الذي أطلقه ولي العهد: "لا سلام في المنطقة من دون دولة فلسطينية”، وصولًا إلى تنظيم المملكة مع فرنسا يوم أمس مؤتمر حل الدولتين على هامش الدورة الثمانين للأمم المتحدة في نيويورك. حيث تم تبني إعلان نيويورك الذي حظي بتأييد استثنائي من الجمعية العامة، والتأكيد على الالتزام الدولي بحل الدولتين ورسم مسار واضح لبناء مستقبل أفضل للفلسطينيين والإسرائيليين وشعوب المنطقة كافة.

اليوم، في عيدها الوطني 95، لا تحتفل المملكة العربية السعودية بإنجازات الماضي فحسب، بل تستشرف المستقبل بثقة وحزم. إن تاريخها العريق وإرثها الحضاري شكّلا الأساس، فيما تشكل رؤية 2030 وقيادة ولي العهد أدوات البناء الجديدة التي تعيد صياغة مكانتها الإقليمية والدولية.

إن ما نشهده اليوم هو سعودية جديدة، فتية واثقة من نفسها، تتكئ على إرثها التاريخي العريق، وفي الوقت ذاته تفتح أبوابها على آفاق المستقبل. فمن الداخل، تتحول المملكة إلى اقتصاد معرفي متنوع وابتكاري، ومن الخارج، تؤكد مكانتها كلاعب إستراتيجي محوري في المنطقة والعالم. ويعكس هذا التوازن بين القوة الداخلية والدور الخارجي وعي القيادة السعودية بأهمية الاستقرار والازدهار لشعبها ولجيرانها وللعالم أجمع.

وهكذا، فإن العيد الوطني 95 هو أكثر من مناسبة وطنية؛ إنه لحظة للتأمل في حاضر المملكة واستشراف مستقبلها، مؤكّدًا أن هذه الدولة لم تُبنَ لتقف عند إنجازات الماضي، بل لتصنع مستقبلاً يتناسب مع طموحات شعبها ومكانتها في العالم.