hamburger
userProfile
scrollTop

من أجل صناعة ثقافية رافعة للتنمية

الثقافة ليست ترفا كما ينظر إليها بعض المنشغلين بالمكتسبات المادية (رويترز)
الثقافة ليست ترفا كما ينظر إليها بعض المنشغلين بالمكتسبات المادية (رويترز)
verticalLine
fontSize

لا يتم الانتباه في الغالب إلى ضرورة التمييز بين الثقافة بوصفها إنتاجا رمزيا، والثقافة باعتبارها ذهنية وخاصية للمجتمع ككل، فإذا كانت الثقافة في مفهومها الأنثروبولوجي العام تعني كل ما ينضاف إلى الطبيعة الفطرية للإنسان وما يكتسبه من وسطه الاجتماعي بعد الولادة من لغة وتقاليد وعادات وقوانين وقواعد أخلاقية وقيم روحية وجمالية وأدوات ومصنوعات مادية، فإن الثقافة بهذا المفهوم الواسع عندما تترسخ عناصرها في الأذهان والسلوكات تصبح عقلية يمكن من خلالها معرفة طبيعة المجتمع في صورته العامة، من خلال ما يحدّد الطابع العام لسلوكات الأفراد وأنماط وعيهم السائدة.

ويبدو هذا التمييز مهما من الناحية الإجرائية لأنه يمنحنا إمكانية الانتقال من تنمية قِطاع الثقافة إلى التفكير بشكل أعمق في تنمية المجتمع عبر الثقافة، أي تحويل أشكال السلوك والوعي المترسخة إلى رافعة للتقدم عبر دراستها ونقدها وتعديلها وإحداث التغييرات الضرورية عليها حتى يتم التخلص من مظاهرها السلبية، والاحتفاظ بالعناصر الإيجابية التي تمكن من النهوض والتغيير طبقا للحاجات الجديدة التي يفرضها السياق والمرحلة التاريخية.

وقد أظهرت العديد من الدراسات السوسيولوجية بأن من أسباب فشل عمليات التحديث والتطوير والتنمية يوجد العائق الثقافي، أي ما ترسخ في أذهان الناس من قواعد وتمثلات تجعلهم إما يتقبلون التغيير أو يرفضونه ويقاومونه. كما تبين بأن استهلاك الفنون والآداب الجميلة يساهم بشكل كبير في خلق أجواء حميمية في فضاءات المجتمع، وفي جعل الأفراد أكثر طمأنينة وقابلية للإنتاج والعمل، وأكثر تسامحا مع بعضهم البعض أيضا، بينما يشيع العنف اللفظي والمادي في غياب الأدب والفن الرفيعين اللذين لهما تأثير بالغ في صقل الأذواق وتهذيب النفوس.

 الثقافة ليست ترفا

إن الثقافة ليست ترفا كما ينظر إليها بعض المنشغلين بالمكتسبات المادية، بل هي أساس الوعي الديمقراطي المواطن، الذي يمكن الفرد من الانخراط في مشاريع الدولة، ويمكن هذه الأخيرة من التوزيع العادل للخيرات المادية والرمزية، كما تمثل الثقافة دعامة لدولة القانون والمشاركة، إذا كانت ثقافة انفتاح ونشاط عملي مبدع، مما يجعلها دعامة للتنمية الدائمة والشاملة التي تضمن النهوض والرقي، حيث لا يمكن بناء ديمقراطية في أي بلد دون ترسيخ ثقافة ديمقراطية، ولا ثقافة ديمقراطية بدون حرية، حرية الإبداع والتعبير بدون حدود.

من جانب آخر فالثقافة بسبب طابعها الإنسي لا تقبل التمييز، مما يحتم على السياسات العمومية رعاية التنوع وحمايته، وإقرار اختيارات تنموية تراعي الجهات والمناطق والمحافظات.

يقتضي الانتقال من الثقافة بوصفها مجالا خاصا بالإنتاج الرمزي إلى الثقافة باعتبارها ذهنية وعقلية أن تكون الثقافة بمكوناتها "عرضانية" في كل مؤسسات الدولة، السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية والبيئة، أي أن تخترق كل المجالات باعتبارها "روح" الدولة والمجتمع، وهذا الطابع "العرضاني" يجعل منها منطلقا لفهم المجتمع والتخطيط لتنميته.

كما يمكن هذا التصور من ربط الإنتاج الثقافي بالرأسمال الاقتصادي، مما يؤدي إلى بناء "صناعة ثقافية" تسمح لمنتجي الأعمال الرمزية في الآداب والفنون بأن يعيشوا بكرامة دون حاجة منهم إلى دعم الدولة.

ويقتضي هذا التصور الشمولي للثقافة من جهة أخرى بعث الحياة في المدن عبر تنشيط فضاءاتها العامة، حيث يصير بإمكان شباب المدن وفنانيها أن يخرجوا فنونهم للجمهور في الفضاء العام، وأن يلتقوا بجمهورهم بشكل مباشر، مما يجعل الانتاجات الثقافية تخرج من الإطار النخبوي لتصبح بضاعة رمزية مغذية للروح والوجدان يستفيد منها الجميع.

ولسنا بحاجة إلى التأكيد على أن هذا المفهوم للثقافة بوصفها آلية محركة لتنمية المجتمع يساهم في إشاعة حسّ ثقافي منسجم مبني على شعور متكامل بالانتماء إلى الوطن وإلى خصوصية ثقافية وحضارية، وهذا أمر في غاية الأهمية، بل هو أساس الإنتاج العام ودينامية المجتمع.