hamburger
userProfile
scrollTop

تونس.. تحديات اللحظة ورهانات المصير

ضبط 4 محاولات لإدخال كميات رهيبة من المخدرات إلى الأراضي التونسية (رويترز)
ضبط 4 محاولات لإدخال كميات رهيبة من المخدرات إلى الأراضي التونسية (رويترز)
verticalLine
fontSize

يلوح الربع الأخير من سنة 2025 صاخبًا من حيث تشابك المعطيات الموضوعة على أجندة المشهد الوطني التونسي، ضاغطًا من حيث تعدد الملفات وتشعب مجالاتها محليًا ودوليًا، لكنه مع ذلك مكتنف بلحظة وضوح قد تكون المفتاح الأبرز لتجاوز العقبات بواقعية وتصميم. 

تحديات أمنية تونسية

ففي ظرف أسابيع امتدت من منتصف سبتمبر إلى بدايات أكتوبر، واجه البلد ترسانة من الأحداث المتلاحقة: استقبال أسطول الصمود العالمي وما تبعه من مجابهة تحديات أمنية أبرزها:

  • أعمال مدبرة استهدفت السفن الراسية بميناء سيدي بوسعيد.
  • تنفيذ حملة وطنية بأسواق الجملة استهدفت عددًا من المحتكرين والمتلاعبين بأسعار المواد المعيشية وإحالتهم إلى المحاسبة القضائية.
  • عمليات إحباط لدخول 4 شحنات ضخمة من المخدرات في ظرف أسبوع واحد.

وبين هذا وذاك تظل المحاور التقليدية ضاغطة وعلى رأسها تجاوز العقبات التشريعية والمالية لتنفيذ القرار التاريخي بفتح الانتدابات الوظيفية لفائدة من طالت بطالتهم من شباب تونس وخيرة كفاءاتها.

تبدو هذه المحاور بتنوعها وتشابكها وزرًا ثقيلًا على أيّ فاعل سياسي كونها تستوجب عملًا متزامنًا على جبهات متعددة، لكنّ مؤشرات النجاح في تجاوز عقباتها وتفادي مطباتها، تعطي الانطباع بجدوى الوضوح والثبات على المبدأ، وهذا ما يمكن استجلاؤه في الحصيلة العامة لهذه الأحداث المتلاحقة.

وبدءا بأسطول الصمود العالمي الذي انطلق من تونس إلى غزة، تبدو مؤشرات النجاح أكثر من واضحة، لا فقط من ناحية تحوّل الخضراء إلى مركز التقاء لكل المؤمنين بعولمة القيم بديلًا عن عولمة السلاح، بل أيضًا من خلال ما أبدته سلطاتها من رصانة في التعامل مع التحدي الأمني، اثر تعرّض سفينتين للاعتداء الذي ستكشف التحقيقات المعمقة عن وجوه منفذيه، بعد الانكشاف المنطقي لوجود مدبريه.

هذا إضافة إلى تناغم فريد من نوعه بين الموقفين الرسمي والشعبي إبان احتجاز نشطاء الأسطول، حيث تزامنت التظاهرات الشعبية المطالبة بإطلاق سراح المختطفين التونسيين من سجون الاحتلال، مع موقف رسمي عبّر عنه الرئيس قيس سعيّد خلال اجتماعه بوزير الخارجية، وأكد خلاله أنّ تونس لن تتخلى عن مواطنيها المشاركين في الأسطول، ولن تدّخر جهدًا لتحريرهم من الأسر. كما ذكّر الرئيس بثوابت تونس التاريخية في نصرة القضية الفلسطينية والوقوف في وجه كل مخططات الإبادة والتجويع.

أما محليًا،  فقد برز بوضوح نجاح الوحدات الأمنية بمختلف أسلاكها في إحباط ما لا يقل عن 4 محاولات لإدخال كميات رهيبة من المخدرات إلى الأراضي التونسية، وهي محاولات لا تتعلق من حيث ضخامة كميتها وتواتر نسقها الزمني، بعمل إجرامي محدود لعصابات صغيرة، بل بتشكيل مافيوزي عابر للقارات يستهدف إغراق البلد بمواد تدمر العقول، ما يحيل وجوبًا لمخطط خطير يستهدف الأمن القومي التونسي.

الأمن الاستباقي التونسي

ومع نجاح الأمن الاستباقي في تفادي كارثة قادمة من وراء الحدود، لم تغفل الأعين عما يوجد في الداخل من شبكات إجرامية لا تقل خطورة، فكانت الحملة الأمنية التي أفضت إلى توقيف عدد من وكلاء البيع المتلاعبين بالأسعار في أسواق الخضر والأسماك، تلبية لاستغاثات متكررة من المواطنين الذين اكتوَوا بجحيم تجاوزات المضاربين والمحتكرين. وقد أفضت هذه الحملة فعلًا إلى محاسبة قضائية لعدد من المتورطين الذين نالوا أحكامًا سجنية متفاوتة.

ومع كل ذلك لم ينقطع سؤال الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي عن التمركز كمهمة مصيرية تتوقف على تحقيقها كل الرهانات المستقبلية. وعلى الرغم من قرارات سياسية جريئة بإنهاء معاناة عديد الفئات التي طالها التهميش عبر العقود، فإنّ بعض العوائق التشريعية والمالية والتعقيدات الإدارية لا تزال ماثلة، ما استوجب تدخل الرئيس قيس سعيّد في أكثر من مناسبة لتصويب المسارات، على غرار استحثاث وضع الإطار التشريعي لانتداب من طالت بطاقتهم من خريجي الجامعات، وإيجاد صيغ لانتداب حاملي شهادة الدكتوراه المعطلين عن العمل.

أما من ناحية منظومة الشركات الأهلية التي تأسست قانونيًا على فكرة إيجاد صيغة استثمار جماعي تضامني داخل النطاقات المحلية، والتي تأخرت نتائجها المرجوة بعد 3 سنوات من انطلاقها، فقد استوجب الأمر تدخلًا جديدًا بإجراء تعديل على المرسوم الرئاسي عدد 15 لسنة 2022 باتجاه مزيد من التسهيلات الإجرائية وتذليل العقبات الإدارية أمام انشاء هذا النوع من الشركات.

وبالمحصلة يبدو المشهد الوطني التونسي كما لو كان حقلًا متشابكًا من المهام المتشعبة التي لا تقبل التأجيل، فالأصعب من تفكيك ما كان سائدًا من فوضى في المنظومة القديمة، هو بناء نظام مغاير بمؤسسات جديدة، وهو بالتحديد بناء علاقات مجتمعية جديدة بثقافة جديدة.

تتواتر الأحداث والتحديات واضعة البلد أمام امتحان تاريخي للمصير المستقبلي، غير أنّ  إرادة مغالبتها واجتيازها واضحة لا لبس فيها، وهذا ما يجعل الأمل قائمًا بغد أفضل يمسح ما تراكم من غبار المراحل.. وتستمر الحياة.