hamburger
userProfile
scrollTop

ثورة الإدارة.. أو سقوط "العشرية السوداء" في تونس

تفكيك أصعب القلاع التي تحصنت بها منظومة العشرية "الإخوانية" (رويترز)
تفكيك أصعب القلاع التي تحصنت بها منظومة العشرية "الإخوانية" (رويترز)
verticalLine
fontSize

لم يمر وقت طويل بعد صدور قانون الشغل الجديد الذي ملأ الدنيا وشغل الناس لتبرز في المشهد الوطني التونسي أولوية أخرى تعد مدخلًا إستراتيجيًا لتغيير الوضع الاقتصادي والاجتماعي، إذ برز مصطلح الثورة الإدارية ضمن لقاءات الرئيس قيس سعيّد برئيسة الحكومة والوزارات ذات الصلة. وإذا كان المصطلح يشير فعلا إلى الانخراط في تغيير جذري في الجسم الإداري التونسي، فإن وجوده الآن تعويضًا لمصطلحات متداولة كالإصلاح الإداري والتحديث الإداري يشير إلى بداية مرحلة حاسمة لتفكيك أصعب القلاع التي تحصنت بها منظومة العشرية "الإخوانية".

فإذا كان من اليسير إنهاء عبث المؤسسات الظاهرة والمرئية المنبثقة عن دستور 2014 (برلمان، بلديات، هيئات) فإن الأصعب هو إيقاف النظام الخفي الذي يؤسس للهيمنة عبر مسالك غير رسمية تؤثر في الأوضاع من خلال التواطئ بين فواعل سياسية ومالية ومافيوزية ضمن ما هو معروف في مصطلح الدولة العميقة بلوبيات المصالح.

والواضح أن الإدارة كجسم وظيفي يمسك بالمرافق العامة وبمداخل تنظيم الاقتصاد وبمسالك التوزيع وبإبرام الصفقات العمومية وتسيير المشاريع، هي الوجهة الأكثر جاذبية للراغبين في الاختراق والتحكم عن بعد. وفعلًا كانت الإدارة التونسية انطلاقًا من سنة 2011، قد شهدت عملية إغراق مكثفة بالانتدابات الوظيفية على قاعدة الموالاة والمحسوبية، كما تم التمكن من غزو مواقعها الحساسة بمريدي "حركة النهضة" ومن تحاصص معها من القوى السياسية الانتهازية.

ولم يكن خافيًا أن هذا التمشي قد أثقل كاهل ميزانية الدولة، والأخطر أنه أحدث شللًا شبه كلي في تقدم المشاريع العمومية وتعطيلًا حادًا في المرافق الخدمية الموجهة للمواطن كالصحة والنقل والتزويد بالمواد الأساسية وخدمات الماء والكهرباء. وكان طبيعيا قياسا للتركيبة السياسية المشوهة التي صيغت على أساسه التعيينات في الوظائف السامية، أن تكون الجيوب الإدارية للعشرية السوداء أول المنكلين بالشعب التونسي بعد انطلاق مسار 25 يوليو من خلال ترذيل مرفق الخدمات العامة وتعطيل مسالك توزيع المواد الغذائية والطبية بغية تأجيج الأوضاع وإثارة الغضب المجتمعي.

تشديد الرقابة والمحاسبة 

غير أن مستوى الوعي الشعبي كان على درجة من التبلور والتناغم مع الإرادة السياسية بشكل أحبط كل هذه المحاولات بل جعل التفكير متجها إلى إيجاد خطة مرحلية تفضي إلى اقتلاع لوبيات العبث نهائيا من الجسم الإداري التونسي. وكانت الخطوة الأولى هي تشديد الرقابة والمحاسبة بشكل قلص نسبيا من التجاوزات، ثم كان قرار رئيس الجمهورية بتشكيل لجنة وطنية للتحقيق والتثبت في كل الانتدابات الوظيفية وصحة الشهائد العلمية خلال الفترة الممتدة من 14يناير 2011 إلى 25 يوليو 2021. وقد قدمت هذه اللجنة فعلا تقريرها النهائي إلى الرئيس في أواخر سنة 2024 ومن المنتظر أن تكشف الحكومة التي تطارحت تفاصيل الخروقات الجسيمة خلال جلسة مع أعضاء البرلمان عن محتوى وحصيلة هذا التدقيق وما سيبنى عليه من إجراءات لتطهير المرفق الإداري التونسي.

هذا المرفق الذي أصبح مفتوحا بموجب القرارات الاجتماعية الجريئة للدولة على انتدابات مكثفة للشباب المتخرج من الجامعات والذي ظل لسنوات في طوابير الانتظار بموجب الخيارات الفاشلة للمنظومة الآفلة. وواضح هنا أنه ثمة حدثا إداريا من الحجم الكبير لم يخفه الرئيس في مختلف تصريحاته سيتبلور في الفترة المقبلة إذ هناك من سيترك المناصب والمسؤوليات الكبرى بموجب التقصير أو التواطئ أو التهاون وهناك من سيباشر هذه الخطط والمسؤوليات ممن تتوفر فيهم الوطنية والكفاءة لخدمة الصالح العام.

والأكيد منطقيا أن القادم في تونس لن يكون ملامسة سطحية للهيكل الإداري بل سيكون معالجة جذرية للتنظيم الإداري نفسه أو هو فعلا تكريس لمفهوم الثورة الإدارية التي قاربها الرئيس سعيّد من 3 زوايا:

  • أولا زاوية الثورة التشريعية التي تمس تغيير الصيغ الروتينية والبيروقراطية المعطلة للخدمات والمشاريع بصيغ أخرى تشجع على الابتكار والمبادرة واختصار الإجراءات ورقمنة الخدمات.
  • ثانيا من زاوية الموارد البشرية عبر تشبيب الإطار الوظيفي وتطهير الإدارة من الموالين لمنظومة العشرية الآفلة.
  • ثالثا من زاوية إعادة الهيكلة بالاستغناء عن الهياكل الإدارية غير المجدية وهي عبارة عن وكالات وهيئات عاطلة تستنزف طاقات الدولة دون أن تقدم خدمة تذكر لفائدة المواطنين والمستثمرين الشبان. 

كما يتعمق الاتجاه إلى عدم التفريط في المؤسسات التنافسية والإستراتيجية المملوكة للقطاع العام بالتوازي مع إصلاحها واعادة تأهيلها وحوكمتها بالشكل الذي يضمن إسهاما حقيقيا في تنمية موارد الدولة. وبالمجمل يضاف هذا التمشي الإداري الجديد إلى سلسلة من الحلقات المتصلة لتغيير الأوضاع في إطار تركيز مقومات الدولة الاجتماعية وإعادة صياغة المشهد الاقتصادي وفق رؤية شاملة. وليس الطريق إلى هذه التطلعات الكبرى ورديا بل هو محفوف بمشاق البحث عن الانبعاث من رماد الأوجاع، لكنه طريق ضروري للعبور إلى ضفة أخرى تليق بمجد تونس وتاريخها وحضارتها.