حتى يوم 6 أكتوبر، كانت مفاوضات التّطبيع بين السعوديّة وإسرائيل، تصاحبها فرص إعادة إطلاق عمليّة السّلام بين الإسرائيليّين والفلسطينيّين، تجري على قدم وساق، وكانت المنطقة، خصوصًا في الخليج، تنهمك بنموّ اقتصادها، وتستشرف مستقبلًا باهرًا، بما في ذلك تحوّلها إلى ممرّ العالم التجاريّ، عبر الطريق البحريّ - البريّ الذي كان سيربط الهند بأوروبا، عبر الإمارات والسعوديّة والأردن وإسرائيل. كان اقتصاد غزّة يتحسّن وعدد تراخيص العمل التي تمنحها إسرائيل للفلسطينيّين للعمل اليوميّ في الدولة العبريّة يزداد.
فجأة، خرجت "حماس" عن قواعد المواجهة المتّبعة ضدّ إسرائيل. اجتاحت، قتلت، خطفت، أحرقت، أجبرت إسرائيل على الردّ، وغازل "حزب الله" المتحيّر، إمكانيّة الاشتراك في الحرب وتوسيع رقعتها، فتوقّفت مفاوضات التقارب والسّلام، وتعثّرت الاقتصادات، وتباطأت التّجارة.
العلاقات مع إسرائيل
لماذا فعلت "حماس" ذلك؟ ما الّذي ستجنيه من حرب انقلبت موازينها بعد يومها الرابع أو الخامس، وصارت لمصلحة إسرائيل، التي شنّت حربًا جويّة تبدو نتائجها حتى الآن على شكل الدّمار الشامل، الذي لحق لبنان في حرب يوليو 2006.
الإجابة الأفضل التي تشرح دوافع حماس، جاءت على لسان وزير الخارجيّة الإيرانيّة الأسبق، ومستشار المرشد للشؤون الخارجيّة علي أكبر ولايتي. حذّر ولايتي في اتصال مع وزير خارجية سوريا فيصل المقداد، من الدّول التي تسعى لإقامة علاقات مع إسرائيل، وحذّر تلك التي تسعى لبناء ممرّ تجاريّ في منطقة الشرق الأوسط، التي وصفها بالحسّاسة، أي القابلة للاشتعال. ووصف ولايتي حرب حماس وإسرائيل على أنها "السبيل الوحيد لتحقيق النّصر على الصهاينة".
في اليوم التالي، تحادث وليّ عهد المملكة العربيّة السعوديّة الأمير محمد بن سلمان هاتفيًا ورئيس إيران إبراهيم رئيسي، وأبلغ الأمير الإيرانيّين دعم السّعودية الثابت للجهود "الرامية لتحقيق السّلام الشّامل والعادل، الذي يكفل حصول الشّعب الفلسطينيّ على حقوقه المشروعة".
إذن نحن أمام مدرستَين وفلسفتَين في السياسة الإقليميّة: الإيرانيّة، التي ترى في الحروب سبيلًا وحيدًا للحياة، والسعوديّة والدول العربيّة عمومًا، والّتي تعتبر أنّ الحوار والسلام، هما طريق حصول الفلسطينيّين على حقوقهم، بحسب مصادقة الدول العربيّة بالإجماع على مبادرة السّلام مع إسرائيل.
المفاوضات السلميّة مع إسرائيل
ولأنّ السّلام بدا واعدًا في المفاوضات التي قادتها أميركا بين الإسرائيليّين، من ناحية، والسعوديّين والفلسطينيّين، من ناحية ثانية، يبدو أنّ طهران أوعزت لحلفائها في حماس، بقلب الطاولة وشنّ حرب لا تشبه ما سبقها، علّها تنسف السّلام من أساسه.
قبل أن يسيطر الإسلام السياسيّ على حكومة إيران، ويُنهي علاقاتها السلميّة مع إسرائيل، خاض العرب 4 عقود من المواجهات الضارية ضدّ الإسرائيليّين، وشملت حروبًا مباشرة وبالوكالة، في 1948 و1967 و1973، وحربًا اقتصاديّة تضمّنت المقاطعة الاقتصاديّة لإسرائيل، ووقف تصدير النّفط العربيّ إلى الدّول الغربيّة المؤيّدة للدولة العبريّة. لم يؤدّ استخدام العرب لكلّ أدوات الحرب والحصار، إلى التغلّب على إسرائيل وإقامة الدولة الفلسطينيّة، إذ ذاك اختار العرب الخيار البديل لتحقيق الهدف نفسه: المفاوضات السلميّة.
هكذا، وافق الراحلان رئيس مصر أنور السادات والعاهل الأردني الملك حسين على المشاركة للمرّة الأولى وجهًا لوجه مع إسرائيل، في مؤتمر للسّلام أقامته الأمم المتّحدة في جنيف في ديسمبر 1973. منذ ذلك التاريخ، تبنّت الدّول العربيّة المعتدلة السّلام مع إسرائيل، لإقامة دولة فلسطينيّة على أراضي 1967، واستخدمت السعوديّة ودول الخليج ثقلها لانتزاع اعتراف الأمم المتّحدة بمنظّمة التّحرير الفلسطينيّة كممثّل شرعيّ ووحيد للشّعب الفلسطينيّ، في العام 1974، وقدّمت الرياض المبادرة العربيّة للسّلام في قمة فاس في 1981، وتمّ إقرارها في العام الذي تلاه. وفي العام 1993، اعترفت إسرائيل بالمنظّمة، التي اعترفت بدورها بإسرائيل، ومضت عمليّة السّلام قدُمًا، ثم تعثّرت. لماذا؟
لأنّ حماس هي خارج منظّمة التحرير، وخارج إجماع 22 دولة عربيّة تبنّت حلّ الدولتَين وفق مبادرة السّلام. وتصرّ "حماس"، بحسب ميثاقها، على أنّ الحلّ الوحيد للصّراع مع إسرائيل هو الحرب، وهو ما يتواءم تمامًا وتصريحات ولايتي وإيران، ضدّ السّلام مع إسرائيل، وضدّ الإجماع العربيّ عليه.
فلسطينيو غزة الخاسر الأكبر
هكذا، شنّت "حماس" عشرات التفجيرات الانتحاريّة ضدّ المدنيّين الإسرائيليّين بين 1993 و1999، ما أحرج منظّمة التّحرير وأظهرها بمثابة غير القادرة على ضبط الفصائل الفلسطينيّة المسلّحة، وصارت خيارات عرفات تتراوح بين حرب أهليّة ضدّ حماس، والمناورة السياسيّة لتحميل إسرائيل مسؤوليّة فشل المفاوضات.
في العام 1998، وقف عرفات وزوجته سهى، ورئيس الولايات المتّحدة بيل كلينتون وزوجته هيلاري في مدينة غزّة، ليدشّنوا مطار غزّة الدوليّ. وكذلك تمّ افتتاح مرفأ في غزّة، وكانت الخطط قائمة لإقامة كازينو وفنادق ومنتجعات سياحيّة على شاطئ قطاع غزّة الجميل. كان اقتصاد غزّة يبدو واعدًا ومستقبلها باهرًا. وعلى الرّغم من تعثّر المفاوضات أثناء سنيّ الانتفاضة الثانية، استأنفت إسرائيل والسّلطة عمليّة السّلام، وتمّ تسليم القطاع للسّلطة في العام 2005، ولم يكن على القطاع أيّ حصار إسرائيليّ أو عوائق.
لكنّ حماس، التي تنسف السّلام في كل زمن ومكان، قتلت 450 فلسطينيًا من حركة فتح والسّلطة في العام 2007، واغتصبت السّلطة في القطاع، ففرضت إسرائيل حصارًا، مع أنه يبدو حصارًا فاشلًا، إذ أدخلت حماس على الرّغم منه، عشرات آلاف الصّواريخ والأسلحة. ثم خاضت "حماس" 5 حروب بالتّراشق مع إسرائيل، إلى أن اجتاحت الأراضي الإسرائيليّة في 7 أكتوبر مجدّدا لنسف محادثات السّلام التي كانت تجري بوساطة أميركيّة. أما الخاسر الأكبر، ففلسطينيّو غزّة الّذين تحوّلت حياتهم من واعدة في 1999، الى جحيم في 2023.
لا حلول عسكريّة للصّراع الفلسطينيّ - الإسرائيلي. العرب يُجمعون على ذلك، والإسرائيليّون يرغبون به. وحدها "حماس" تقف ضدّ الاجماع الدوليّ والعربيّ على السّلام، وتقف خلفها طهران، فيرتبط إذ ذاك الإسلام السياسيّ، بفرعية السنّي والشيعيّ، بالحروب والبؤس والأسى التي حان وقت خروج العرب، وخصوصًا الفلسطينيّين، منها.