hamburger
userProfile
scrollTop

مشكلة النزاهة الفكرية بين الذات والآخر

طهرية الذات وكمالها في مقابل نقص الآخر وتهافته معادلة خارج العلم (فيسبوك)
طهرية الذات وكمالها في مقابل نقص الآخر وتهافته معادلة خارج العلم (فيسبوك)
verticalLine
fontSize

ما زال العقل الإسلامي عاجزاً عن النظر إلى الذات بتجرد وواقعية، وإلى الآخر بنزاهة فكرية وعدل،

حيث بسبب تقديس الممتلكات الرمزية الذاتية وتبخيس ممتلكات الغير، أدت المواقف الفكرية - الدينية لدى المسلمين إلى نوع من "التيه البلاغي" الذي شكل نوعا من الهروب من مواجهة عيوب الذات وإحباطاتها، كما منع هذا النوع من التفكير الإحاطة بتجارب الغير والاستفادة من إيجابياتها.

ولفهم هذه المشكلة أحيل القارئ الكريم على 3 فقرات من مقال[1] لأحد الأساتذة الجامعيين المغاربة، وهو يقوم بمقارنة بين القرآن والإنجيل والتوراة، بشكل بعيد كل البعد عن النزاهة الفكرية المطلوبة من باحث جامعي، وقريب كل القرب من الحس المشترك والأفكار السائدة في الثقافة الإسلامية والتي هي في معظمها تفتقد إلى الدقة والموضوعية، يقول الكاتب متحدثا عن القرآن:

"يأتي القرآن الكريم كنصٍّ تأسيسي في الإسلام وكمتن corpus مدشن لعملية القراءة والتلقي ليعلن عن نفسه أن "أمّ" وأغلب ما يقع بين دفتيه "محكم" المعنى، مضبوط الدلالة، قابل للفهم، واضح المقصد؛ وأن ما يقع فيه من قليل "المتشابه" أمر تفرضه بنية العلاقة بين لغة التداول الطبيعي و"إشاراتها" إلى مراتب الوجود المختلفة؛ ومن ثم وجب، في تلقي وقراءة هذا الكتاب، ردّ المتشابه القليل الورود إلى المحكم الغالب، وفقاً لقواعد خطابية مقبولة تسمح بفهم وتأويل أبعاد ومقاصد ذلك المتشابه في ضوء مقاصد المحكم الغالب، وذلك مراعاة لمستويات "البيان" المشيرة إلى مقاصد الخطاب".

ويضيف الكاتب متحدثا عن الإنجيل:

خلافا لحضور هذا المعنى الأول لمفهوم التأويل في الفكر الإسلامي، سواء لدى علماء الأصول أو علماء الكلام، نجد مشكلة التأويل في تاريخ الفكر الغربي لا تطرح انطلاقا من فرضية قصدية "البيان" والوضوح، بقدر ما تنطلق من فرضية قصدية التورية والتعمية "والغموض" المقصود في النص أو النصوص التأسيسية؛ ذلك أن أشهر تلك النصوص التأسيسية التي طلب تفسيرها وتأويلها هي تلك التي جُمعت فيما سمي "بالكتاب المقدس" والتي اعتُبرت بحسب بنيتها الإنشائية وبالنظر إلى "سياقاتها" التاريخية التي أثرت كثيرا في اضطراب سندها وصعوبة تنقيحها وكثرة مراجعاتها ومحاولات إضفاء "شرعية" ما عليها.. اعتبرت نصوصاً مكرسة بذاتها للغموض والإغراق في الرمزية واللغة الإشارية، مما سهل الربط بين متن هذا "الكتاب المقدس" ومتون الأساطير والحكايات الرمزية الشائعة قديماً في الثقافتين الإغريقية والرومانية والتي تستوجب المبادرة بفك رموزها واستشراف دلالاتها البعيدة".

ثم يقول عن التوراة:

والواقف على أسفار التوراة، خصوصا، يلحظ مقدار ما كان ينتاب "أنبياءها" من حالات "الجذب" تسلبهم عن واقع الناس ولا يفصحون خلالها عن مراد "الوحي"، حيث كانت أقوالهم وتصرفاتهم كذلك تتسم بالغموض والغرابة وعدم الوضوح، وذلك ما كان يتطلب دائماً تدخل الكاهن لشرح وتفسير و"تعبير" الرؤى والنبوءات أو تأويل ذلك الأمر الغامض في الأقوال والأفعال التي غالباً ما يخرج فيها "الأنبياء" عن أطوارهم البشرية، ويكتفون في تبليغها للسامع بالرمز والتلميح، بدل الإحكام والتصريح".

يبدو واضحا أن غرض الكاتب ليس علميا أكاديميا بقدر ما هو القيام بنفس العملية التي يغرق فيها الفقهاء يوميا، ألا وهي تعظيم القرآن وتبخيس غيره من الكتب الدينية، ويبدو هذا واضحا من خلال العبارات التي تم بها الحديث عن القرآن والتي هي عبارات تعظيم وتقديس، عكس العبارات التي تم استعمالها في تناول الكتب الدينية الأخرى، مع العلم أن البحث العلمي الدقيق الذي تم على النص القرآني من طرف أهل الاختصاص في المخطوطات القديمة للقرآن وعلم "الكوديكولوجيا"، وكذلك الجهود التي بذلها مفكرون محايدون قاموا بإعادة قراءة النص القرآني خارج البنية الذهنية للفقهاء المسلمين القدامى والمحدثين، وبعيدا عن قواعدهم الفكرية ومناهجهم التي ظلت على مدى 1,200 سنة تعتبر "علوما" تحظى بتوقير واحترام كبير في الأوساط الدينية الإسلامية التي تضفي عليها طابع الطهرية العلمية.

رغم ما يعتورها من نقائص، هذه الجهود كلها أظهرت بوضوح بأن الكثير من المفاهيم والمصطلحات التي تم نحتها في قراءة النص القرآني لم تكن بهدف الفهم الموضوعي الدقيق للنص، الذي له نصيبه الكبير من الغموض والبيان معا، بل لأغراض ينطبق عليها نفس كلام الكاتب عندما قال عن نصوص الأناجيل بأن "سياقاتها التاريخية أثرت كثيرا في اضطراب سندها وصعوبة تنقيحها وكثرة مراجعاتها ومحاولات إضفاء "شرعية" ما عليها"، مما يجعل الغموض والتناقض لا يلف النص الأصلي فقط بل ويطبع الكثير من آراء الفقهاء وتفسيراتهم أيضا، ويجعلها بدورها معنية كليا بالأهداف السياسية والإيديولوجية للمحيط التاريخي الذي تبلورت فيه. كما أن ما ذكره الكاتب بموضوعية حول العلاقة بين "الكتاب المقدس" للمسيحيين ومتون الأساطير والحكايات الرمزية الشائعة قديماً، ينطبق تمام الانطباق على النص القرآني الذي استلهم بدوره الكثير من المضامين الأسطورية للحضارات القديمة.

إن طهرية الذات وكمالها في مقابل نقص الآخر وتهافته معادلة خارج العلم، وهي نتاج تربية منحرفة مبنية على الاتباع والتقليد ونبذ الحسّ النقدي وتجريمه، بل وربطه أحيانا بنظرية المؤامرة، بينما لا تقوم النهضة الفكرية والعلمية الحقيقية والمأمولة إلا على مراجعات جذرية كبرى تضع كل إرث الماضي بغثه وسمينه في ميزان العقل، وليس في منطق العواطف والأهواء الإيديولوجية.

**[1]- عبد المجيد الصغير، المرجعية والسياق وصراع التأويلات: مراجعات نقدية في الفكر الإسلامي ـ موقع الرابطة المحمدية للعلماء ـ المغرب