hamburger
userProfile
scrollTop

متى ستندلع الحرب الأهلية الأميركية؟

الناخب الأميركي مهتم بدرجة أولى بوضعه الاقتصادي الداخلي (رويترز)
الناخب الأميركي مهتم بدرجة أولى بوضعه الاقتصادي الداخلي (رويترز)
verticalLine
fontSize

هذا ليس سؤالا، بل أمنية في نفوس الكثيرين حول العالم..

في عام 1861، أعلنت ولايات جنوبية انفصالها عن الولايات المتحدة، مؤسسة ما سمي بالولايات الكونفدرالية الأميركية، على خلفية الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 1860، والصراع حول قانون العبودية (بالإضافة إلى أسباب ثانوية أخرى)، فاندلعت حرب أهلية مريرة بين شطري الولايات، الشمالية والجنوبية (الانفصالية)، انتهت عام 1865 بانتصار الشماليين، وسقوط أزيد من 750 ألف قتيل تقريبا، أي ما يفوق عدد من سقطوا من الأميركيين في الحربين الأولى والثانية مجتمعتين، لتترسخ هذه الحرب بالتالي في الذاكرة الأميركية، وتتحول بمرور الوقت إلى كنز من القصص التي استغلها الأدباء وبعدهم السينمائيون في أعمال خالدة، لربما كان أشهرها رواية "ذهب مع الريح" لمارغريت ميتشل، التي تحولت إلى فيلم هوليوودي أيقوني من إنتاج عام 1939.

الهيمنة الأميركية 

ظلت البنية المعقدة للمجتمع الأميركي مدار تساؤلات ومحاولات عديدة للفهم، فذلك الثراء الهوياتي، النابع من الهجرات المتتالية من جميع أنحاء العالم إلى بلد قدم نفسه باعتباره "أرض الأحلام"، مع حجم التناقضات الصارخة بين مكونات هذا المجتمع، قسمت آراء الخبراء بين من رأى أن مجتمعا بهذا الاختلاف يقف على شفا حفرة من اندلاع حرب أهلية أخرى في أي وقت، ومن جزم بأن هذه التناقضات بالعكس هي ما تضمن للأميركيين تقبل بعضهم، وبالتالي حمايتهم من تكرار تجربة مريرة لها سياقها وظروفها المختلفة تماما عن الوضع الحالي، مع تحول الولايات المتحدة من قوة صاعدة وقتئذ (القرن 19) إلى إمبراطورية عظمى تمسك بمفاصل السياسة والاقتصاد حول العالم حتى الآن.

يلعب الموقع الجغرافي دورا كبيرا في الهيمنة الأميركية الحالية على العالم، فعكس أوروبا، التي أنهكتها الحربان العالميتان، وقتلت منها الملايين وحولتها إلى خراب، تطلب سنوات بعد نهاية الحرب العالمية الثانية لإعماره، وبالتالي إحداث خلخلة بينة في التوازن الديمغرافي والاقتصادي ثم الحضور السياسي، فإن الولايات المتحدة كانت الرابح الأكبر، لأنها وإن خسرت الآلاف من جنودها بعد دخولها الحرب إلى جانب الحلفاء، إلا أن أراضيها ظلت بعيدة عن محاور القتال والدمار، فعاش الأميركيون حياة "شبه طبيعية" خلال أحلك سنوات الحرب، وتأكد لكل القوى التي حاولت منافستها فيما بعد، خلال عقود الحرب الباردة، أن موقعها يحميها، ولإدراكها هي ذلك، فقد كان نصب صواريخ سوفياتية على الأراضي الكوبية، أي على مرمى حجر من حدودها، خلال الأزمة الشهيرة في بداية الستينيات سببا كافيا لتهديدها بإشعال حرب نووية مدمرة.

على هذا الأساس، أيقن مناوئو الإمبراطورية الأميركية أن السبيل الوحيد لتفككها ثم انهيارها سيكون داخليا بحتا، فكانت كل تظاهرة أو اضطراب يشهده هذا الداخل سببا لبروز الآراء التي تحمل من الأمنيات ما يفوق التحليلات المنطقية، حول اتساع شرخ ما بين أبناء المجتمع الأميركي، ولعل الأمثلة متعددة في هذا الشأن، في الحقبة المكارثية خلال الحرب الباردة، حيث شنت حملة اعتقالات واسعة ضد المتعاطفين من الإيديولوجيا الشيوعية، أو اندلاع التظاهرات العنيفة الرافضة للحرب في فيتنام، أو الاضطرابات الدموية التي شهدتها لوس أنجلس عام 1992 بخلفية عنصرية ضد السود، وصولا إلى أحداث ما بعد هزيمة ترامب في انتخابات 2020 واقتحام أنصاره لمبنى الكابيتول في مشهد كانت له تداعياته.

شبح الحرب الأهلية الأميركية

المثير للتأمل في هذا الجانب، هو أن الأميركيين أنفسهم من عززوا هذا الاعتقاد في أدبهم وفنهم السابع، فصدر ما لا يعد ولا يحصى من الأعمال الأدبية والأفلام، التي يمكن إدراجها فيما يعرف بـ"أدب النهايات" أو "الأبوكاليبس" الذي يتخيل نهاية سوداء للإمبراطورية، إما بوباء فتاك، أو كارثة طبيعية، أو غزو فضائي، أو حرب أهلية لسبب أو لآخر، (مع غياب شبه تام أي مثال حول قدرة قوة بشرية أخرى على إنهاء الولايات المتحدة الأميركية)، فيرتبط هذا الأمر عموما بمزيج من الإرث الإنجيلي-التوراتي حول نهاية العالم، ووجود خوف طبيعي من فقدان الهيمنة الحالية.

خلال الحملة الانتخابية الأخيرة، بين ترامب وهاريس، عاد خطاب التلويح بشبح الحرب الأهلية للظهور، وهو ما تعزز بتهديد ترامب بغرق الولايات المتحدة في بحر من الدماء في حال عدم فوزه بالانتخابات، وأيضا عندما تعرض لمحاولة اغتيال غامضة، خرج منها بطلا، خصوصا مع الصورة الشهيرة التي يلوح فيها بقبضته والدماء تسيل من أذنه، في مشهد نعلم جيدا أن الأميركيين بارعون للغاية في استغلاله إعلاميا، وهكذا توقع كثيرون (بل وشرعوا في نسج سيناريوهات) حول منافسة محتدمة بين المرشحين، الجمهوري والديمقراطية، قد تنتهي بتفوق طفيف لهاريس، يستغله ترامب لرفض النتائج والحديث عن وجود تزوير، وبالتالي إطلاق العنان لأنصاره للتظاهر والدخول في دوامة من الاضطرابات التي لن تقود سوى إلى حرب أهلية ينتظرها الخصوم بفارغ الصبر.

لكن شيئا من هذا لم يحدث في نهاية المطاف، تفوق ترامب بفارق مريح على منافسته، ولأسباب واضحة، قد ترتبط في مجملها بمعاقبة الناخبين للديمقراطيين أكثر من اقتناعهم الفعلي ببرنامج ترامب، وأيضا لاهتمام الناخب الأميركي بدرجة أولى بوضعه الاقتصادي الداخلي، حيث بدا أن رجل الأعمال وعاشق الصفقات، قد قدم خلال حملته وعودا أكثر إقناعا من غريمته، عكس كل التحليلات التي تضع السياسة الخارجية على رأس اهتمامات الناخب (مع بعض الاستثناءات القليلة، كولاية ميشيغان المعروفة بوجود أغلبية عربية ومسلمة "عاقبت" هاريس على تعاطي إدارة بايدن مع الحرب المدمرة في غزة ولبنان)، لتظل الحرب الأهلية أمنية بعيدة المنال، حاليا على الأقل.