hamburger
userProfile
scrollTop

"أينشتاين".. منقذ كرة القدم الألمانية

دوري الأمم الأوروبية أقفل الباب أمام تجارب اللاعبين الجدد إلا في نطاق محدود (رويترز)
دوري الأمم الأوروبية أقفل الباب أمام تجارب اللاعبين الجدد إلا في نطاق محدود (رويترز)
verticalLine
fontSize

منذ التتويج بكأس العالم 2014، حلّت "لعنة" على منتخب ألمانيا لكرة القدم.

حتى الفوز بكأس القارات 2017 جاء حلقة "خادعة" في سلسلة التدهور. في تلك البطولة التي استضافتها روسيا قبل عام على تنظيمها المونديال، استعان المدرب السابق يواكيم لوف بتشكيلة شبابية أبهرت المتابعين، قبل أن يعود للاعتماد على "الحرس القديم" في "العرس العالمي" حين تأكدت "النكسة" بالخروج من الدور الأول.

لم يكن "يورو 2020" الذي أقيم في 2021 بسبب جائحة "كورونا" سوى سقطة جديدة، وإن من الدور ربع النهائي، تبعها الخروج المذلّ مجدداً من دور المجموعات لكأس العالم 2022.

كان لا بد من التحرك بعد حقبة طويلة للوف وفترة عابرة فاشلة لهانسي فليك على رأس الإدارة الفنية لـ"ناسيونال مانشافت". جيء بالشاب يوليان ناجلسمان حاملاً آمالاً كبيرة على أعتاب "يورو 2024" الذي تستضيفه بلاده.

أداء رائع "مفاجئ" قدمه الفريق مدفوعاً بدعم جماهيري هائل وبـ "القلب النابض" العائد إلى المنتخب توني كروس. أفرز ذلك وصولاً إلى ربع النهائي حين اصطدم الألمان بمنتخب إسباني، صحيح أنه رسّخ نفسه الأفضل في البطولة، بيد أنه كان محظوظاً بالخروج فائزاً أمام خصم وقف له الند للند.

ولولا الخطأ الفادح للحكم الإنجليزي أنتوني تايلور الذي حرم أصحاب الدار من ركلة جزاء صحيحة إثر اصطدام الكرة بقبضة يد مارك كوكوريّا داخل المنطقة المحرمة عندما كانت النتيجة تشير إلى التعادل 1-1 في الشوط الإضافي الثاني، لربما تابع الحارس العملاق مانويل نوير وزملاؤه الطريق نحو منصة التتويج.

الحُكم على المنتخب كان ظالماً في تلك البطولة، إذ اعتُبر مردوده "مقبولاً" فقط رغم اعتراف الاتحاد الأوروبي للعبة، بعد الواقعة بثلاثة أشهر، بأنه كان يتوجب على الحكم احتساب ركلة جزاء.

حقل تجارب

بعد البطولة الأوروبية، اعتزل نوير، كروس، إيلكاي جاندوجان وتوماس مولر دولياً، ليطرح السؤال: أين البدائل؟

هنا، دفع المنتخب ثمن عدم دمج الأجيال ليبدأ البحث عن جدد عوض أن يكون الجديد حاضراً أساساً وجاهزاً لحمل المشعل. ثمة شعور دائم بأن الفريق "سينطلق من جديد" بعد كل نكسة. شعور فرض نفسه مرات عدة لأن الأساس غير متين ولأن رياح التغيير لم تضرب لبّ المشكلة.

عدد اللاعبين الدوليين الصاعدين لم يكن بالقليل إلا أن هؤلاء لم يحصلوا على فرصة كاملة، وكان ناجلسمان يعود دائماً إلى أصحاب الخبرة ويفشل.

ثمة مشكلة عامة تتمثل في ضيق مساحة التجربة أي المباريات الودية. دوري الأمم الأوروبية الذي جمع المباريات الودية في بطولة رسمية، أقفل الباب أمام تجارب اللاعبين الجدد إلا في نطاق محدود. بات دوري الأمم استحقاقاً مهماً، وبالتالي تستوجب هذه البطولة جديةً أي استعانة بـ"كبار اللاعبين".

وجاء انطلاق تصفيات كأس العالم 2026 محبطاً بسقوط ألمانيا أمام مضيفتها سلوفاكيا بهدفين في مباراة قد تكون بين الأسوأ في تاريخها. لا رغبة. لا إرادة. لا ردة فعل. لا هوية. لا استراتيجية. ناجلسمان قام بواجباته الفنية على أكمل وجه لكن ثمة تساؤلات: هل أن طلباته أعلى من قدرة اللاعبين على استيعابها وتنفيذها؟ هل أغفل معاناة بعضهم من إحباط في مكان ما؟ هل أن المنتخب جدير بلعب الأدوار الأولى؟

المرة الأولى

أمام سلوفاكيا، سقطت ألمانيا للمرة الأولى في التاريخ خارج ملعبها ضمن تصفيات كأس العالم. هذا ليس بشيء أمام السوء والفوضى وقلة الحيلة وانعدام الحلول خلال المباراة.

الجماهير الحانقة طالبت اللاعبين بإظهار "الرغبة الألمانية". دعت إلى إدخال تعديلات على التشكيلة خصوصاً في الخط الخلفي الذي يضم أنتونيو روديجر، أحد أسباب هدفي سلوفاكيا.

اللافت أن الأصوات تعالت، معيدةً السبب في الخسارة إلى غياب ابن الـ 22 عاماً، جمال موسيالا، بسبب الإصابة. لكن منذ متى تعتمد ألمانيا على لاعب واحد؟

جرى تعديل الوضع مرحلياً في المباراة الثانية أمام أيرلندا الشمالية (1-3) لكن بعد عناء وإحراج وأخطاء بالجملة.

ظهر المنتخب بصورة جيدة، فقط في الشوط الثاني، وحقق الفوز للمرة الأولى بعد ثلاث هزائم متتالية أمام البرتغال وفرنسا في دوري الأمم ثم سلوفاكيا.

هناك فجوة في الأجيال الألمانية، ونقص في المواهب، باستثناء ربما، موسيالا وفلوريان فيرتز.

ما يجعل ألمانيا متخلفة هو التمسك بأسلوب لعب تقليدي وعدم التكيف السريع مع المتغيرات.

هناك عدد من اللاعبين الصاعدين هم بالإضافة إلى موسيالا وفيرتز، كل من لوكاس فولتيماده وجيمي ليولينج وغيرهما، لكن المشكلة تكمن في برامج تطوير الشباب والتي لم تواكب الأساليب الحديثة، الأمر الذي أثر على الجودة.

راحة واضحة

ولا يخفى أن هناك فقداناً ظاهراً للثقة، وهو ما تجلى أمام سلوفاكيا ثم أمام أيرلندا الشمالية قبل تسجيل الهدف الثاني الذي منح الألمان راحة واضحة تمكنوا عبرها نسبياً من تقديم أداء يليق بهم.

ناجلسمان، وقبله فليك، لا يثبتان على تشكيلة. هي مشكلة يجدر حلها، أو ربما تكمن المعضلة في أن اللاعب الألماني متذبذب المستوى.

سيرج جنابري وليون جوريتزكا وليروي ساني أسماء كبيرة لكن عطاءها غير مستقر وحضورها في المنتخب غير دائم. لا ثبات في المستوى كي يجري اعتماد تركيبة واحدة.

أمام سلوفاكيا، اعتمد المدرب 4 لاعبين في خط الدفاع، ثم استعان بثلاثة فقط أمام أيرلندا الشمالية. تغيير تكتيكي كبير لا يجب أن يأتي وليد اللحظة أو كردة فعل على خسارة. هذا نهج.

اضطر ناجلسمان إلى إدخال تعديلات جذرية على التشكيلة الأساسية في المباراة الثانية، الأمر الذي يؤكد الفارق الشاسع بين الرؤية العامة للمدرب وتوقعاته وبين مردود اللاعبين.

منذ اعتزال ميروسلاف كلوزه، لم يظهر هداف بالفاعلية ذاتها. يجري الاعتماد على كاي هافيرتز المصاب حالياً كرأس حربة رغم أنه يلعب أساساً خلف الهداف. نيكلاس فولكروج، ماكسيميليان بيير، تيم كلايندينست، وفولتيماده لا يقتربون من كلوزه.

نادى كثيرون بضرورة إقناع نوير بالعدول عن اعتزاله دولياً، ليس فقط لدوره كحارس لا يعوّض، بل لحاجة الفريق إلى شخصية القائد رغم وجود جوشوا كيميتش "التائه" بين مركزه الأصلي كظهير ودوره الراهن كلاعب ارتكاز.

يفتقد المنتخب إلى الثبات والمهاجم القناص والروح الجماعية وأمور أخرى كثيرة... وربما يحتاج أيضاً إلى العودة لمقولة العالِم الألماني ألبرت أينشتاين والتي جاء فيها: "الجنون هو أن تفعل الشيء نفسه مرتين بالأسلوب نفسه والخطوات نفسها، ثم تنتظر نتائج مختلفة".

كثيرون مرّوا على المقولة الشهيرة مرور الكرام، مثل الاتحاد الألماني لكرة القدم والقيّمين على إدارة المنتخب والمدربين. كل هؤلاء كرروا الأخطاء نفسها باعتماد وسائل متشابهة.

قد يكون سبب التراجع في هيكلية الدوري الألماني، مفهوم "الأكاديميات"، بناء شخصية اللاعبين، وغيرها. تعود عجلة التصفيات في أكتوبر المقبل بمباراة أمام لوكسمبورج الضعيفة، لكن العين تبقى على سلوفاكيا المتصدرة بالعلامة الكاملة (6 نقاط). فترة قصيرة لا تكفي للاستلهام من "مقولة أينشتاين".