قيام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو برفقة وزيري الدفاع والخارجية ورئيسي الأركان والاستخبارات، بتجاوز خط الهدنة مع سوريا للمرة الثانية، والتجوال على قمة جبل الشيخ ومناطق أخرى في محافظة القنيطرة التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي منذ سقوط النظام السابق في 8 ديسمبر 2024، وبدء مناورات على مستوى قيادة الأركان في الجولان والمناطق المجاورة للتعامل مع أيّ حالة حرب طارئة، يؤكد أنّ نتانياهو لا يكترث للقوانين الدولية ولا لقرارات الأمم المتحدة، ولا حتى للتطمينات التي تطلقها الحكومة السورية بين الفينة والأخرى، والتي تؤكد فيها أنها لن تكون مصدر خطر لأحد من جيرانها حتى إسرائيل.
نتانياهو لم يحترم يومًا العلاقة السورية الأميركية الناشئة، والتطمينات الأميركية لإسرائيل بأنّ واشنطن تسعى لضم سوريا للاتفاقيات الإبراهيمية وإقامة معاهدة سلام شاملة معها، ما يؤكد أنّ إسرائيل تفعل ما تريد من دون تنسيق مع الولايات المتحدة.
الانتهاك الحدودي جاء بعد زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن، ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، ما يؤكد أمرين لا ثالث لهما:
- الأول: أنّ إسرائيل دولة توسعية تستغل أيّ فرصة لتقضم المزيد من الأراضي.
- الثاني: أنّ إسرائيل لن تنسحب من هذه المناطق إلا إذا وُوجهت بقوة عسكرية مماثلة، وهذا غير ممكن حاليًا، وأنّ عبارات التطمين التي تطلقها الحكومة السورية الجديدة، لن تجديَ نفعًا مع الاحتلال.
المشكلة التي تعاني منها سوريا اليوم، أنّ الولايات المتحدة أصبحت الخصم والحكَم في ظل حكم ترامب الذي وقّع في 25 مارس 2019 على إعلان يُقر فيه بأنّ الجولان السوري المحتل أرض إسرائيلية، وهذا ربما يقودنا إلى أنّ ترامب سيقول لنتانياهو "مبروك عليك جبل الشيخ وما احتليت من أراضٍ أخرى"، كما قال لبوتين بحسب الخطة الأميركية لوقف الحرب في أوكرانيا، التي تنص على "التنازل عن مساحات واسعة من الأراضي لصالح روسيا، وتقليص حجم الجيش الأوكراني".
سوريا لن توافق على الشروط الإسرائيلية
يرى البعض أنّ تشدد نتانياهو مع الجانب السوري إنما يعود لعدم وجود قوى دولية كبرى داعمة لسوريا، ويضرب هؤلاء مثلًا أنه عندما وقّعت سوريا اتفاق الهدنة في العام 1974، كان الاتحاد السوفياتي يقف بكل قوته إلى جانبها، أما اليوم فروسيا غارقة في الوحل الأوكراني وتنتظر أن تحصل على جزء من الكعكعة السورية، بعدما كانت اللاعب الأقوى في سوريا!
أما فرنسا وبريطانيا فلا تخرجان عن رأي واشنطن في أغلب الأحيان، في حين تتّبع الصين سياسة الدبلوماسية الناعمة التي لا تؤثر على سير الأحداث.
من هنا نرى أنّ نتانياهو يعلنها صراحة أنه لن ينسحب من الأراضي التي احتلها في القنيطرة وريف دمشق، وإنه يريد الجنوب السوري كاملًا منزوعًا من السلاح مع حماية كاملة للدروز في السويداء، هذا يؤكد أن لا سلام قريبًا مع سوريا، فلا دمشق ستقبل بهذه الشروط، ولا تل أبيب تريد أن تتراجع لخط هدنة 1974، وتوقِف اعتداءتها المستمرة على سوريا، وبحسب الرئيس الشرع فإنّ إسرائيل نفذت نحو 1,000 غارة على سوريا بعد سقوط النظام، وأنها مستمرة بالتوغل والاعتداء على الأراضي السورية، فهل هذا يدعو للتفاؤل؟
وحتى عندما استقدمت سوريا قوات روسية إلى الجنوب، حيث تجوّل وفد عسكري روسي برفقة ضباط من وزارتي الدفاع والداخلية السوريتين في منطقة التلال الحمر بريف القنيطرة داخل المنطقة منزوعة السلاح، عمدت إسرائيل إلى إقامة نقاط في المكان نفسه التي ستقيم فيه روسيا نقاطها العسكرية، ما يؤكد عدم ترحيب إسرائيل بأيّ خطوة روسية في الجنوب، أو تركية في الوسط، بعدما أعلنت تل أبيب صراحة استهداف نقاط في وسط سوريا كانت تركيا تنوي إقامة قواعد عسكرية فيها، ما يؤكد أنّ نتانياهو يريد أن يقول للعدو والصديق نحن من يقرر في سوريا.
الخلاصة: أنه مهما علا سقف نتانياهو فإنه لن يستطيع إجبار سوريا على التنازل عن أراضيها والقبول باتفاق لا يحقق شروطها في الانسحاب والاستقرار، ومن هنا جاء تصريح وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني الذي أكد فيه أنّ سوريا لن توافق على الشروط الإسرائيلية، بالقول: "نحن لن نذهب إلى سلام بأيّ ثمن. لن نوقّع أيّ اتفاق بينما تُحتل أرضنا. الشرط واضح: انسحاب كامل إلى خط 7 ديسمبر 2024. إن أرادوا اتفاقًا، فليعودوا إلى الحدود. غير ذلك لا يوجد اتفاق.. ولا تنازل".
من تصريح الوزير الشيباني يتضح أنّ دمشق أدركت بعد جولات عديدة من المفاوضات، أنّ إسرائيل لا تريد السلام إلا بشروطها، وهو ما أكدته هيئة البث الإسرائيلية من أنّ المفاوضات السورية الإسرائيلية توقفت بسبب رفض إسرائيل طلب الرئيس الشرع الانسحاب من المناطق المحتلة بعد 8 ديسمبر، ما يؤكد أنّ مصير الأوطان والشعوب لا يُحسم بحسن النوايا والكلام المعسول .