hamburger
userProfile
scrollTop

"سيدات إنجلترا" خيرٌ من رجالها

سيدات إنجلترا حققن لقب يورو 2025 بقلب الطاولة على إسبانيا (رويترز)
سيدات إنجلترا حققن لقب يورو 2025 بقلب الطاولة على إسبانيا (رويترز)
verticalLine
fontSize

عاش منتخب إنجلترا لكرة القدم فترة مشجعة في السنوات الأخيرة بدليل بلوغه نهائيين لبطولة أوروبا (2020 و2024)، نصف نهائي مونديال 2018 وربع نهائي نسخة 2022، غير أنه فشل في ولوج النقطة الأعلى من المنصة، الأمر الذي مدّد صيامه عن التتويج والممتد من 1966عندما حصد لقبه الأول والأخير على أرضه في مسابقة كأس العالم.

الجماهير الإنجليزية لم تتخلَّ يوماً عن دعم "منتخب الأسود الثلاثة" واعتادت على الإحباط بعد كل بطولة كبرى، غير أنها وجدت ضالتها في الآونة الأخيرة: منتخب السيدات الذي نجح، يوم الأحد، في الاحتفاظ بلقبه بطلاً لأوروبا.

شاءت الصدف أن يجمع النهائي بين إنجلترا وإسبانيا في تكرار لنهائي الرجال في "يورو 2024"، بيد أن السيناريو اختلف. في "النهائي الخشن"، توجت إسبانيا بفوزها 1-2 لتنتزع لقباً عزّ على الإنجليز منذ انطلاق البطولة في 1960. وفي "النهائي الناعم"، الأحد، أبت الإنجليزيات إلا الثأر لرجالهن بالفوز على إسبانيا نفسها.

أبان الفريق في البطولة التي استضافتها سويسرا عن إرادة فولاذية افتقدها منتخب الرجال في كثير من المناسبات. فاز على ويلز 1-6 وهولندا برباعية وخسر أمام فرنسا 2-1 في دور المجموعات، ليتأهل إلى الدور التالي من باب الوصافة.

في الأدوار الإقصائية، خاضت سيدات إنجلترا شوطين إضافيين في مبارياتهن الثلاث كافة، وهو ما عاشته البطولة للمرة الأولى منذ انطلاقها في 1984.

ففي ربع النهائي، تأخرن بهدفين أمام السويد قبل العودة من بعيد وخطف التعادل في الدقائق الـ11 الأخيرة والذهاب إلى شوطين إضافيين فركلات ترجيح ابتسمت لهن 2-3.

في نصف النهائي، واجهن إيطاليا التي تقدمت بهدف حتى الدقيقة السادسة من الوقت المحتسب بدل ضائع التي شهدت تعادلهن عبر البديلة "الذهبية" ميشال أجييمانغ، صاحبة هدف التعادل أيضاً في المباراة السابقة. وفي الدقيقة قبل الأخيرة من الشوط الإضافي الثاني، خطفت إنجلترا الفوز 1-2 وبطاقة العبور إلى "القمة".

وفي النهائي، تقدمت إسبانيا بهدف. وكالعادة، عادت الإنجليزيات فعادلن في الشوط الثاني وخضن شوطين إضافيين للمرة الثالثة توالياً انتهيا من دون تغيير في النتيجة ليلجأ الجانبان إلى ركلات ترجيح ابتسمت 1-3 لإنجلترا التي باتت تملك لقبين قاريين علماً بأن ألمانيا تحمل الرقم القياسي (8 ألقاب).

يذكر أنه النهائي الأول في البطولة الذي تتحدد نتيجته بركلات الترجيح.

ركلات الترجيح

يُعرف منتخب إنجلترا للرجال بمعاناته مع ركلات الترجيح عبر التاريخ، آخرها في نهائي "يورو 2020" الذي أقيم على أرضه في 2021 بسبب جائحة "كورونا" عندما خسر عبرها أمام إيطاليا، وقبلها في مونديال 2018 عندما سقط من خلالها أمام كرواتيا في نصف النهائي.

في المقابل، أبانت سيدات إنجلترا عن رباطة جأش وبرودة أعصاب تفوقن بهما على رجالها في مضمار ركلات الترجيح، إذ تجاوزن عقبتين في "يورو 2025" عبر هذه الركلات نفسها.

وفي وقت نجح فيه منتخب السيدات في الثأر من خسارته أمام إسبانيا بهدف في نهائي كأس العالم 2023 وفي دوري الأمم الأوروبية 2-1 في الشهر الماضي، فشل منتخب الرجال في الثأر لنفسه من سقطات متتالية في مراحل متقدمة من البطولات الكبرى خلال السنوات الأخيرة.

ليس هذا فحسب بل أن سيدات إنجلترا حافظن على لقب فزن به في 2022 وبتن يمتلكن لقبين في بطولة تتصدر ألمانيا سجلها الذهبي بثمانية ألقاب.

هذا يعني أيضاً بأنهن يتفوقن على الرجال الذين يملكون لقباً كبيراً يتيماً (مونديال 1966).

يلاحظ بأن الاستعانة بمدرب أجنبي نجحت مع السيدات فيما فشلت مع الرجال. فقد سبق أن قاد منتخب الرجال مدربان أجنبيان هما السويدي سفن جوران إريكسن والإيطالي فابيو كابيلو وفشلا في التتويج بلقب، بانتظار ما ستؤول إليه حقبة المدرب الحالي، الألماني توماس توخيل.

في المقابل، نجحت المدربة الهولندية سارينا فيجمان في قيادة "سيدات إنجلترا" للتتويج بلقبين أوروبيين (2022 و2025) فضلاً عن الحلول في وصافة مونديال 2023، علماً بأنه سبق لها قيادة منتخب بلادها إلى التتويج باللقب الأوروبي (2017) بالإضافة إلى وصافة كأس العالم (2019).

مكافآت الفوز

ورغم نجاح سيدات إنجلترا مقارنةً برجالها إلا أنهن ما زلن مظلومات على مستوى مكافآت الفوز، ليس فقط لأن الاتحاد المحلي لا يرغب بذلك، بل لأن الاتحاد الأوروبي لا يخصص مكافآت مجزية.

فقد حصل منتخب الرجال على 5 ملايين يورو مكافأة الوصافة وإجمالي 24.25 مليون بناءً على نتائجه طوال البطولة (حصلت إسبانيا البطلة على 28.25 مليون). من جهته، منح الاتحاد الإنجليزي اللاعبين 8.7 ملايين يورو.

أما مكافأة منتخب السيدات، بطل أوروبا الحالي، من الاتحاد الأوروبي، فتصل إلى 5 ملايين يورو، علماً بأنّ الأخير فرض على المنتخبات كافة منح اللاعبات بين 30 و40% من الجوائز المالية. وسيحصلن أيضاً من الاتحاد المحلي على ما مجموعه مليوني يورو كما هو متفق عليه قبل انطلاق البطولة.

وفي دراسة أجريت عام 2023، تبين بأن لاعبي كرة القدم في إنجلترا يحصلون على رواتب تفوق رواتب اللاعبات بـ 17 ألف مرة، وبأن مدربة المنتخب الإنجليزي تنال سنوياً 460 ألف يورو فيما كان يحصل المدرب السابق لمنتخب الرجال جاريث ساوثجيت على 5.75 ملايين يورو.

معلوم أن كرة القدم النسائية في إنجلترا شهدت اهتماماً إعلامياً متزايداً وتغطية واسعة في السنوات الأخيرة بعد فوز منتخب السيدات بـ"يورو 2022"، غير أن التاريخ يشير إلى أنها كانت متفوقة شعبياً على كرة الرجال ذات يوم، حتى أنها كانت مؤهلة لتتوسع انتشاراً.

ففي الحرب العالمية الأولى، توجه "شباب الأمة" بأعداد كبيرة إلى ساحة المعركة، فوجدت النساء أنفسهن مدفوعات إلى المصانع حيث تم تكليفهن بصناعة الأسلحة، والعمل وسط آلات خطرة ومواد كيميائية ضارة. وقد أرسلت الحكومة مستشارين في مجال الصحة والرعاية الاجتماعية لمراقبة صحة الجيل الجديد من العمال، وشجعت على ممارسة الرياضة كوسيلة للترويح من البيئة القاسية.

بدأت المصانع بتشكيل الفرق النسائية الخاصة بها، فبرز فريق شعبي (ديك كير) تأسس في 1917 وجذب آلاف المتفرجين إلى أول مباراة له.

ضم لاعبة مشهورة تدعى ليلي بار، كانت قادرة على تسديد الكرة بقوة مخيفة. تقول إحدى الروايات إنها كسرت معصم حارس مرمى ذكر بسبب قوة تسديدتها.

تحولت اللاعبات إلى مشاهير، وانهالت عليهن العروض من الأندية، لكن مع نهاية 1921، اتخذ الاتحاد الإنجليزي خطوة صادمة تمثلت في حظر الكرة النسائية حيث لم يعد يُسمح لفرقها بالظهور في ملاعبه الرسمية.

يعود ذلك، إلى حد كبير، إلى التحيّز الصريح والقلق من أن تطغى الكرة النسائية على كرة الرجال.

واليوم أعاد التاريخ نفسه حيث فرضت سيدات إنجلترا حضورهن. لن يتحرك الاتحاد هذه المرة للجم الفورة النسائية بل ربما يذهب مضطراً إلى تحفيز الرجال بإنجازات السيدات... لعل وعسى.