عاد الجدل بقوة في تونس حول السياسة الخارجية التي اتخذت بموجب التغيير التاريخي لـ25 يوليو اتجاها واضحا نحو الدفاع عن استقلالية القرار الوطني في وجه مؤثرات عديدة ليس أقلها ما تراكم من استخفاف بالسيادة وفتح المجال للتدخل الاجنبي خلال عشرية حكم جماعة "الإخوان".
ولقد عادت المسألة إلى المشهد بقوة على خلفية استدعاء الرئيس قيس سعيّد لسفير الاتحاد الأوروبي بتونس وإبلاغه احتجاجا شديد اللهجة إزاء عدم الالتزام بضوابط العمل الدبلوماسي والتعامل خارج الأطر الرسمية المتعارف عليها في الأعراف الدبلوماسية. والواضح من السياق أن هذا الرد الدبلوماسي العالي النبرة كان على خلفية عدد من الزيارات قام بها سفير الاتحاد الأوروبي إلى عدد من المنظمات التونسية كان آخرها زيارة إلى مقر الاتحاد العام التونسي للشغل.
وإن لم يتضمن البلاغ الرسمي للرئاسة أي معطيات تفصيلية حول الموضوع، فإن المسألة تتعلق منطقيا بإقدام السفير على الخوض في شؤون تونسية داخلية ليست من مشمولات صفته الدبلوماسية كما أنها تمت من دون ما تفترضه القواعد من تنسيق مع السلطات الرسمية للبلد المستضيف حول أي زيارة أو نشاط خارج المهام الموكلة إليه وظيفيا.
ومعلوم في هذا الإطار أن اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لسنة 1961 تنص بوضوح على وجوب أن يحترم الدبلوماسيون قوانين وأنظمة الدولة المضيفة، كما تنص على أن نشاطاتهم الرسمية يجب أن تتم بالوسائل التي تسمح بها وزارة الخارجية في الدولة المضيفة. هي إذا نقطة نظام وجهتها السلطات التونسية إلى أحد أهم شركائها الدوليين وليست الأولى من نوعها، وربما لن تكون الأخيرة في مواجهة إرث استعلائي لم تتخلص منه دوائر الغرب على وجه العموم.
تونس ترفض التدخل في شؤونها
فالاتحاد الأوروبي صرح تعليقا على الحدث أنه لا يرى في تصرف سفيره خرقا لما هو شائع ومعتاد من اتصال سفراء أوروبا بمنظمات البلدان المضيفة. لكن إن كانوا تعودوا ذلك فعلا في عشرية الخراب التي استباحت الأرض لجولان السفراء بين أروقة الأحزاب والمجالس المنتخبة، بل وسمحت لهم بالتدخل في كواليس تشكيل السلطات وتوجيهها، فإنهم الآن أمام وضع مغاير وضع تعريفا للصداقة مختلفا تماما عن مفهوم الإلحاق والتبعية. والأهم أن أكثر من إشارة في التاريخ القريب كانت تتطلب من الاتحاد الأوروبي إعادة قراءة المشهد الوطني التونسي بما يتناغم مع قوة التغيير السياسي الذي أنجزه مسار 25 يوليو ومع ما أفصح عنه من ثوابت سياسية خارجية لا تساوم في استقلالية القرار الوطني، وتتعامل مع الجميع في أوروبا وغيرها بندية لا تفاضل فيها.
ويجدر التذكير هنا ببعض نقاط النظام الدبلوماسية التي وجهت إلى عدد من الدول والهيئات في معرض أي تدخل منها في الشأن الداخلي التونسي: في شهر أبريل 2022 تم استدعاء السفير التركي بتونس لإبلاغه احتجاجا على خلفية تصريح للرئاسة التركية تضمن تدخلا واضحا في الشأن الداخلي التونسي وملاحظات تخص توجهات وخلافات سياسية داخلية.
في شهر يوليو 2022، استدعت وزارة الخارجية التونسية القائمة بأعمال سفارة الولايات المتحدة في تونس، وتم إبلاغها تنديدا ببيان لوزارة الخارجية الأميركية يتناول خصوصيات المسار السياسي التونسي. في شهر فبراير 2023 دعت السلطات التونسية الأمينة العامة لاتحاد نقابات العمال الأوروبية لمغادرة البلاد خلال 24 ساعة على خلفية مشاركتها في اجتماع نقابي بجهة صفاقس، والمشاركة في تظاهرة والتصريح بملاحظات تهم الشأن الداخلي التونسي.
في شهر سبتمبر 2023 رفضت السلطات التونسية استقبال وفد من البرلمان الأوروبي قرر زيارة البلاد والتواصل مع أحزاب ونقابات من دون تنسيق مسبق مع السلطات الرسمية. هذه بعض أمثلة عن إشارات واضحة ودقيقة وصلت إلى من يهمه الأمر ومفادها أن تونس لا تقبل مطلقا التدخل في شؤونها، ولا تسمح لنفسها في المقابل بالتدخل في شؤون الدول الأخرى.
هي في النهاية نقطة نظام لا تخرج عن الحق المشروع في الدفاع عن السيادة الوطنية، وهي في الجوهر نتاج تصور تصحيحي عميق ينبع من رؤية لعالم أكثر ندية وعدالة يقطع مع نهج وصائي ذي خلفية استعمارية واضحة المعالم والمقاصد. وبقطع النظر عن الحيثيات التي حفت برد الفعل التونسي إزاء مواقف محددة في أزمنة محددة، يظل الفضاء الدبلوماسي التونسي مفتوحا لكل الدول في نطاق الشراكة والتعاون المتبادل على قاعدة الندية.
وهذا هو الثابت الاساسي للسياسة الخارجية التونسية بعيدا عن فاصل عشرية الظلام الرديئة التي حكمها من هانوا فسهل الهوان عليهم. لم تكن تلك العشرية إلا فاصلا شاذا.. والشاذ يحفظ، ولا يقاس عليه.