ربما لم تكن "الإدارة الذاتية" في شمال وشرق سوريا، لتعلن مبادرتها الهادفة للوصول إلى حل سلمي للأزمة التي تعيشها البلاد، لولا تحرك عدد من دول المنطقة في اتجاه دمشق، خصوصا وأنّ الإدارة أطلقت هذه المبادرة بعد ساعات من وصول وزير الخارجية السعودية فيصل بن فرحان إلى دمشق، ولقائه الرئيس بشار الأسد في الثامن عشر من إبريل الحالي، وعلى الرغم من نفي الإدارة الذاتية أيّ علاقة لمبادرتها بالانفتاح العربي على سوريا، إلا أنّ توقيت الإعلان عن المبادرة كشف المستور.
المبادرة الكردية التي أُطلقت في مؤتمر صحافي عقده مسؤولو الإدارة في مدينة الرقة، صحيح أنها ليست الأولى، لكنها الأكثر شمولًا لتضمّنها نقاطًا مهمة، وهذا في حدّ ذاته تطور مهم لأسباب عدة.
الحوار أولوية
الأول: أنّ الإدارة الذاتية قررت أن تتخذ من الحوار سبيلًا لحل مشاكلها مع دمشق والأطراف الأخرى المدعومة من تركيا.
الثاني: أنّ الإدارة تريد أن تنفي عن نفسها نزعة الانفصال، وتؤكد أنها جزء من الوطن السوري، ومصيرها متعلق بالحل السياسي المنشود في سوريا.
الثالث: أنّ الإدارة أدركت أنّ التقارب التركي من جهة، والانفتاح العربي على سوريا من جهة أخرى، يشهدان تسارعًا غير طبيعي، ومن الحكمة ركوب عربة في القطار.
الرابع: أنها لا تثق بالأميركي، وأنها تخشى أن يتّخذ قرار الرحيل عن الأراضي السورية في أيّ لحظة، كما فعل الرئيس الأميركي الحالي جو بايدن في أفغانستان في 14 من أبريل 2021، وهذا ليس مستبعدًا، فالرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، اتخذ قرار الانسحاب من سوريا في عام 2019، لكنه تراجع في اللحظات الأخيرة.
دمج القوات الكردية بالجيش
إذًا نحن اليوم أمام مرحلة جديدة قد تجعل الجميع يُفكر في الحوار مع الحكومة السورية، ويقول هؤلاء: إذا كان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أشدّ أعداء الرئيس السوري بشار الأسد، قد طلب التقارب والحوار وحل المشاكل العالقة مع سوريا، فلمَ لا نكون نحن أيضًا ممّن يسعون للحوار وحل مشاكلنا مع دمشق من دون قتال؟ خصوصا وأنّ تركيا تسعى لإشعال فتيل حرب بين قوات سورية الديمقراطية، والجيش العربي السوري، في حين أعلن "مظلوم عبدي" قائد هذه القوات، أنه لا يمانع في أن تكون القوات الكردية جزءًا من الجيش السوري.
في المجمل يمكن القول: إننا أمام مبادرة تحمل حسن النوايا في طياتها، لكنها تجاهلت أنّ من أطلق المبادرة يعيش في ظل احتلال أميركي، وأنه ما زال يتلقى السلاح والمال من الولايات المتحدة، مقابل ما تنهبه من غاز ونفط وقمح، بدعم من هذه المليشيات نفسها، وربما لهذا طرح القائمون على المبادرة مبدأ تقاسم الثروات.
أمر آخر ربما تقصّده من طرح المبادرة، وهو أن تكون تجربة الإدارة الذاتية أنموذجًا يُحتذى به، مشددًا على ضرورة الاعتراف بالحقوق المشروعة لسائر المكونات الإثنية والدينية التي تشكل المجتمع السوري، متناسيًا أنّ ما يُسمى "قوات سورية الديمقراطية" متهمة بأنها هجّرت قرًى بكاملها، لوصل المناطق الكردية ببعضها، وأنها استولت على مؤسسات الدولة السورية من دون وجه حقّ، وفرضت مناهج لا تمت لتاريخ البلد بصلة، وأنها جندت الكثير من الشباب قسرًا، وأنها لم تستطع أن تجابه الاحتلال التركي، بل هربت أمامه من مناطق كثيرة مثل: عفرين والباب، وتل أبيض وإعزاز وغيرها كثير.
"وحدة التراب السوري"
أيضًا يمكن القول: إنّ توجه الإدارة الذاتية في النقطة الثامنة من مبادرتها إلى الدول العربية والأمم المتحدة، وجميع القوى الدولية الفاعلة في الشأن السوري، ومطالبتها بـ"دور إيجابي وفاعل" بما لا يتعارض مع القرار الأممي 2254، الخاص بحل الأزمة السورية، يؤكد أنها شعرت بالتهميش والخوف من تقارب تركي وانفتاح عربي، ما يعني أنها ستجد نفسها معزولة في محيطها الإقليمي، بوجود محتل أميركي يتلقى ضربات يومية من مقاومة متصاعدة مدعومة من أطراف عدة.
الطريف في الأمر، أنّ الإدارة الذاتية التي تعتبر نفسها أنموذجًا يُحتذى به في الديمقراطية، طرحت مبادرتها من دون التشاور مع دمشق والأطراف الأخرى كما تسميها، مدّعية أنها تمتلك برنامجا واضحا للحل في سوريا، إذا ما تم التعامل معه بشكل جِدّي وفاعل!
في النهاية يمكن القول: إنّ قيمة المبادرة الوحيدة أنّ من طرحها يريد أن يقول: إنه ما زال يؤمن بالحوار سبيلًا للحل، وإنه مؤمن بوحدة التراب السوري، وهذان أمران أساسيان لأيّ حلّ آتٍ في سوريا.