hamburger
userProfile
scrollTop

البرازيل "الإيطالية".. واللقب "اللّقيط"

لا أحد يتألم للخسارة في كأس العالم أكثر من البرازيل (رويترز)
لا أحد يتألم للخسارة في كأس العالم أكثر من البرازيل (رويترز)
verticalLine
fontSize

لا تُعتبر "أمة كرة القدم" فقط لأنها تتزعم المعمورة بخمسة ألقاب عالمية قياسية (1958 و1962 و1970 و1994 و2002)، بل لأنها تعكس الوجه الجميل، الساحر، المهاري والممتع للرياضة الأكثر شعبية.

هذا بالتأكيد دون الحديث عن نجوم تخرّج معظمهم من أزقتها الفقيرة، من أمثال غارينشيا وفافا وزيكو وسقراط وروماريو وريفالدو ورونالدو ورونالدينيو، وخصوصاً الراحل بيليه الذي يُعتبر بالنسبة إلى كثيرين أفضل ما أنجبته الملاعب.

هي البرازيل، ومن غيرها؟ الوجه الثاني لعملة كرة القدم، وحيث ينبض قلب اللعبة.

كثيرة هي الصفات التي التصقت بها. هي الوحيدة التي لم تغب شمسها عن المونديال منذ انطلاقته في 1930. هي المرشحة "الأزلية" لانتزاع اللقب. وهي مقبرة أيّ نجم، مهما علا شأنه، في حال الفشل بولوج النقطة الأعلى من منصة تتويج كأس العالم.

في البرازيل، إن أراد أحدهم أن يحيا في ضمير الأمة، فما عليه سوى الفوز بذاك اللقب الذي تشتاق إليه خزائن "راقصي السامبا" اليوم وترنو إلى وصال معه منذ التتويج الأخير في كوريا الجنوبية واليابان عام 2002.

مرت 21 سنة على الإنجاز الآسيوي، ستصبح 24 عندما يحين موعد النسخة 23 من "العرس العالمي" المقرر بموجب ملف مشترك في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. هي "مسافة شوق طويلة" مع العلم أن البرازيل عاشت فترات صعبة عدة ترمق فيها اللقب بعين دامعة (28 عاماً بين 1930 و1958 حين حققت اللقب الأول، و24 عاماً بين 1970 و1994 حين حققت الرابع).

ضربة ماراكانا

كان اختيار البرازيل لاستضافة نسخة 1950 من كأس العالم طبيعياً على خلفية أن معظم دول أوروبا كانت خارجة من حرب عالمية ثانية أتت على اقتصادها وبناها التحتية.

شُيّد ملعب "ماراكانا" في ريو دي جانيرو خصيصاً لاستضافة مباريات الحدث. ضاق الصرح بحضور ناهز 200 ألف متفرج جاؤوا ليشهدوا على أول تتويج عالمي، لكنّ صمتاً مطبقاً خيّم على المدرجات بعدما قلبت الأوروغواي تأخرها أمام البرازيل إلى فوز تاريخي 2-1 في نهاية المباراة الختامية الحاسمة.

ضاع الحلم في ما عُرف بـ"ماراكانازو" (أي ضربة "ماراكانا") التي بقيت تعاود قتل الذاكرة البرازيلية حتى 2014 عندما استضافت البلاد "العرس العالمي" مجدداً.

كانت مناسبة لطي "صفحة 1950" إلى الأبد والتتويج في "ربوع الوطن" للمرة الأولى، لكن الألمان وجهوا للبرازيل صفعة هي الأقوى في تاريخها، إذ سحقوا منتخبها 1-7 في نصف النهائي.

لا أحد يتألم للخسارة في كأس العالم أكثر من البرازيل، فكيف الحال والسقوط حصل في عقر الدار (بيلو هوريزونتي) وبنتيجة كاسحة وعلى مرمى حجر من "النهائي الحلم"؟

الخسارة الأولى

قبل أيام، تعاظم القلق في "بلاد السامبا" إثر الهزيمة أمام الأرجنتين بهدف في "ماراكانا" بالذات ضمن التصفيات الأميركية الجنوبية المؤهلة إلى مونديال 2026.

مرارة فرضتها حقيقة أن البرازيل لم يسبق لها الخسارة إطلاقاً على أرضها ضمن تصفيات كأس العالم. الأكثر مرارة أنها جاءت أمام الجار المتربص والخصم اللدود الأرجنتين.

زملاء نيمار داسيلفا المصاب راهناً يحتلون المركز السابع بين 10 منتخبات في التصفيات إلا أنه لا خطر عليهم من مغبة الفشل في التأهل خصوصاً أن حظوة أميركا الجنوبية من المقاعد المؤهلة إلى كأس العالم المقبلة ارتفعت إلى 6 مقاعد ونصف المقعد (ملحق عالمي) بعدما رُفع عدد الفرق المشاركة من 32 في "قطر 2022" إلى 48 في 2026.

المشهد العام يؤشر إلى أن ثمة تراجعاً خطيراً. ليس وليد الساعة بل نتيجة تراكمات.

قد تكون محدودية رؤى الاتحاد المحلي وربما السلطات الأعلى. قد يكون عطباً في عقلية اللاعبين البرازيليين القادم معظمهم من خلفية فقيرة للغاية إلى عالم الملايين المدفوعة لهم من قبل أغنى الأندية في أوروبا. وقد يكون غير ذلك.

بعد الإقصاء من ربع نهائي مونديال قطر أمام كرواتيا، رحل المدرب "تيتي"، فجرى تعيين مدرب منتخب تحت 20 عاماً رامون مينيزيس بانتظار "الأصيل"، فكان شاهداً على خسارتين وديتين أمام المغرب والسنغال.

"طار" مينيزيس وقرر الاتحاد المحلي إسناد المهمة إلى فرناندو دينيز لمدة 12 شهراً مع احتفاظه بمهامه على رأس الإدارة الفنية لفريق فلوميننسي الذي قاده قبل أسابيع للتتويج بكأس ليبرتادوريس لأندية أميركا الجنوبية للمرة الأولى في تاريخه.

الاتفاق أشار إلى أن دينيز سيكون مدرباً مؤقتاً للمنتخب بانتظار قدوم المدرب الحالي لفريق ريال مدريد الإسباني، الإيطالي كارلو أنشيلوتي ليقود "راقصي السامبا" ابتداءً من بطولة "كوبا أميركا" المقررة في الصيف المقبل.

هذا ما أعلنه رئيس الاتحاد البرازيلي في 5 يوليو الماضي وأكده دينيز نفسه بعدها بيوم: "أنشيلوتي لن يتدخل في عملي"، فيما انتقده رئيس البلاد لويس إيناسيو لولا داسيلفا، علناً.

من جهته، آثر المدرب الإيطالي الصمت حيناً والنفي حيناً آخر، بيد أنه اعتبر في 16 أكتوبر الماضي بأن الأخبار المرتبطة بالموضوع "مجرد شائعات".

وقبل أيام، أشارت تقارير إلى أن ريال مدريد يدرس التقدم بعرض جديد لأنشيلوتي يمتد حتى 2026 علماً أن الأخير لم يخفِ يوماً رغبته في الاستمرار مع النادي الإسباني.

المدرسة البرازيلية

البرازيل "مدرسة" في عالم كرة القدم، مثلها مثل إيطاليا وألمانيا وهولندا وغيرها. هذه المدرسة تستنشق إرثاً مميزاً قائماً على الإمتاع والاستمتاع.

أسئلة عدة تفرض نفسها هنا: ألا يوجد في البلاد مدرب برازيلي لقيادة الـ"سيليساو"؟

لماذا تريد البرازيل وضع حد لعرفٍ وتقليد درجت عليهما "منذ الأزل" باعتماد مدرب وطني لمنتخبها؟

الأخطر من ذلك، ألا تخشى على مدرستها، مدرسة الفن والمتعة والسحر؟

ألهذه الدرجة أفلست كي تستعين بمدرب إيطالي، كان من كان، لإنقاذها بأسلوب دخيل عليها؟

"مدرب إيطالي يقود البرازيل للتتويج بكأس العالم 2026": تبدو أقرب إلى تهمة منها إلى "مانشيت" لصدر صفحة أولى من صحيفة برازيلية تحتفل باللقب السادس في المونديال المقبل.

مدرسة برازيلية آيلة إلى السقوط؟ قد يقول قائل: هي العولمة، ما لي أراك حزيناً؟ فيردّ لسان الحال دون تردد: لا أبكي البرازيل. لست من عشاق منتخبها. أبكي تهتك مدرسة راسخة في ضمير كرة القدم التي أعشق. ولنقل إن أنشيلوتي لم يأتِ، حسناً، غير أن مجرد التفكير في "ربّان أجنبي" هو بمثابة خيبة فادحة للألقاب "الوطنية" الخمسة.. على بُعد 3 سنوات، ربما، من لقب سادس "لقيط".