كشفت دراسة حديثة أن الأطفال الرضع يمكنهم تكوين ذكريات عرضية على عكس الاعتقاد الشائع بأن فقدان الذاكرة الطفولي ينتج عن عدم القدرة على تكوين الذكريات.
سواء كانت المرة الأولى التي نخطو فيها خطوة متعثرة أو صوت أحد الوالدين يهدئنا للنوم، فإن ذكرياتنا الأولى تبدو وكأنها حبيسة الذاكرة، بعيدة المنال، ومُمحاة.
فقدان الذاكرة الطفولي
أثارت هذه الظاهرة، المعروفة باسم فقدان الذاكرة الطفولي، فضول الباحثين منذ أن وصفها سيغموند فرويد لأول مرة قبل أكثر من قرن.
ووفق الدراسة التي أعدها باحثون من جامعة "ييل" الأميركية ونُشرت في مجلة "ساينس"، لطالما كان التفسير التقليدي هو أن أدمغتنا ببساطة غير مهيأة لتكوين ذكريات دائمة خلال مرحلة الطفولة.
فالحُصين - المنطقة الدماغية المسؤولة عن ترميز وتخزين الذكريات العرضية - لا يزال ينضج حتى مرحلة المراهقة، لذا افتُرض أن القدرة على تكوين الذكريات لا تبدأ إلا في وقت لاحق.
وقد حظيت هذه النظرية بدعم من الأبحاث التي تُظهر أن الحُصين يستمر في النمو طوال مرحلة الطفولة، مُشكِّلاً روابط عصبية جديدة ومتزايد الحجم.
واقترح بعض الباحثين أن النمو السريع للدماغ في مرحلة الطفولة قد "يُحل محل" الذكريات المبكرة، تمامًا كما تُسجَّل البيانات الجديدة على الملفات القديمة.
الواقع أكثر تعقيدا
ومع ذلك، بدأت الأبحاث الحديثة تُشكك في هذه الفكرة، مُشيرةً إلى أن الواقع قد يكون أكثر تعقيدًا بكثير. فقد أظهرت الدراسات على الحيوانات أن حتى أدمغة الرضع قادرة على تكوين آثار للذاكرة.
وكشفت التجارب على القوارض أنه بينما تستطيع الفئران الرضيعة تذكر المهام التي تعلمتها، فإنها "تنسى" هذه الذكريات مع نضجها.
ومع ذلك، يُمكن استعادة هذه الذكريات من خلال التحفيز المباشر لخلايا الحُصين العصبية التي كانت نشطة أثناء التعلم. هذا يوحي بأن الذكريات لا تزال موجودة - ولكن يصعب الوصول إليها.
يطرح هذا المنظور الجديد سؤالاً محيراً: هل ذكرياتنا المبكرة قد ولت إلى الأبد حقاً، أم أنها ببساطة مدفونة في مكان ما داخل أدمغتنا، محبوسة خلف مسارات عصبية يصعب الوصول إليها؟ إذا كان هذا الأخير صحيحاً، فهل يمكن للتطورات المستقبلية في علم الأعصاب أن تساعدنا على استعادتها؟
ولكن ثبتت صعوبة دراسة هذه الظاهرة لدى البشر في الماضي.
وقال الدكتور نيك تورك-براون، الباحث المراسل، وأستاذ علم النفس ومدير معهد وو تساي بجامعة ييل: "إن السمة المميزة لهذه الأنواع من الذكريات، والتي نسميها الذكريات العرضية، هي إمكانية وصفها للآخرين، ولكن هذا غير وارد عند التعامل مع الأطفال الرضع قبل مرحلة الكلام".
هل ذكريات الرضع لا تزال موجودة؟
استخدم تورك-براون وفريقه التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لقياس نشاط الدماغ لدى الرضع المستيقظين الذين تتراوح أعمارهم بين 4 أشهر وسنتين. شملت الدراسة 26 رضيعًا، موزعين بالتساوي بين من هم أصغر من سنة ومن هم أكبر من سنة.
وتوصلت الدراسة إلى أن ذكريات الطفولة قد لا تزال موجودة في الدماغ، لكن استرجاعها يزداد صعوبة مع تغير المسارات العصبية.