يُعد الاكتئاب من أكثر الأمراض النفسية انتشارًا في العالم اليوم، إذ يعاني منه أكثر من 280 مليون شخص، ويؤدي في كثير من الحالات إلى العزلة، اضطراب النوم، وانعدام الطاقة، بل وإلى خطر الانتحار في أسوأ السيناريوهات.
ورغم توافر مئات الأدوية المضادة للاكتئاب، فإنّ نصف المرضى فقط يستجيبون للعلاج، بينما يبقى الباقون عالقين في دوامة من الأعراض والآثار الجانبية.
في هذا السياق، توصل فريق من معهد العلوم الأساسية في كوريا الجنوبية، إلى أنّ الخلل الذي يسببه الإجهاد المزمن في جزيئات السكر داخل الدماغ، قد يكون المفتاح الخفي وراء الاكتئاب.
السكر داخل الدماغ
وقاد العالمان سي جاستن لي ولي بويونغ دراسة موسّعة، كشفت أنّ سلاسل السكر المرتبطة بالبروتينات العصبية في قشرة الفص الجبهي، المنطقة المسؤولة عن المشاعر واتخاذ القرار، تتأثر سلبًا عند التعرّض الطويل للضغوط النفسية.
وعندما يختل هذا التوازن، تبدأ أعراض الاكتئاب بالظهور. وتُعرف هذه العملية باسم الارتباط السكّري (glycosylation)، وهي آلية بيولوجية تضيف سلاسل من جزيئات السكر إلى البروتينات لتتحكم في عملها واستقرارها.
ورغم أنّ هذه العملية تُدرس منذ سنوات في أمراض مثل السرطان والزهايمر، فإنّ ارتباطها بالصحة النفسية ظلّ شبه مجهول حتى الآن.
كيف يسبّب الإجهاد الاكتئاب؟
باستخدام تقنيات تحليل متقدمة، فحص الباحثون 9 مناطق دماغية في فئران سليمة، فوجدوا أنّ كل منطقة تمتلك بصمة خاصة من أنماط الارتباط السكّري. لكن عندما تعرضت الفئران للإجهاد المستمر، تغيرت هذه الأنماط في الفص الجبهي بشكل ملحوظ.
انخفضت مادة السياليك أسيد، وهي سكر يعمل على تثبيت البروتينات العصبية، إلى جانب انخفاض إنزيم يسمى St3gal1 المسؤول عن لصق هذا السكر على البروتينات. وبدون هذا الإنزيم، تصبح البروتينات غير مستقرة، ما يُضعف التواصل العصبي ويؤدي إلى اضطراب المزاج.
وحين خفّض العلماء مستوى إنزيم St3gal1 في أدمغة فئران سليمة، ظهرت عليها سلوكيات تشبه الاكتئاب: قلة الحركة، وفقدان الدافع، والقلق، وكل ذلك من دون أيّ ضغط نفسي خارجي.
أما عندما رفعوا مستويات الإنزيم لدى الفئران المجهدة، فقد انخفضت الأعراض بشكل واضح، ما أكد أنّ الخلل في هذا المسار هو سبب مباشر في نشوء الاكتئاب.
كما لاحظ الباحثون أنّ البروتين العصبي نيوركسين-2، الذي يساعد الخلايا العصبية على الاتصال ببعضها، ضعف نشاطه في حالة نقص الارتباط السكّري. ونتيجة لذلك، فقدت الخلايا “التوازُن الكيميائي” الذي يحافظ على استقرار المشاعر.
مسار جديد لفهم الاكتئاب وعلاجه
تُظهر النتائج المنشورة في مجلة Science Advances أنّ الاكتئاب ليس مجرد اضطراب في النواقل العصبية مثل السيروتونين، بل قد يكون ناتجًا عن خلل كيميائي أعمق في تنظيم السكر داخل الدماغ.
وهذا ما يفسر لماذا تفشل مضادات الاكتئاب التقليدية لدى نصف المرضى لأنها تتجاهل هذا المسار البيولوجي الجديد. ووفقًا للباحثة لي بويونغ، فإنّ هذه النتائج "تفتح الباب أمام تشخيص أكثر دقة للأشخاص المعرضين للاكتئاب، وتطوير أدوية تستهدف البروتينات السكرية بدل الاعتماد فقط على تعديل النواقل العصبية".
ويضيف البروفيسور سي جاستن لي: "الاكتئاب يفرض عبئًا اجتماعيًا هائلًا، لكنّ نتائجنا قد تغيّر قواعد اللعبة، ليس فقط في علاجه، بل في فهم أمراض أخرى مثل اضطراب ما بعد الصدمة والفصام".