في وقت لا يزال التدخين التقليدي يحصد ملايين الأرواح سنويًا، تتجه الأنظار نحو ما يُعرف بـ"تقليل الضرر" كنهج علمي وواقعي لحماية صحة المدخنين الذين لم ينجحوا في الإقلاع.
وتزداد أهمية هذا المفهوم مع توسع استخدام السجائر الإلكترونية ومنتجات التبغ المسخّن وأكياس النيكوتين الفموية، وسط جدل مستمر حول فاعليتها وأمانها.
في هذا السياق، قال البروفيسور ريكاردو بولوسا، مدير معهد الطب الباطني والطوارئ بجامعة كاتانيا الإيطالية، ومؤسس مركز CoEHAR للأبحاث، في مقابلة مع منصة "المشهد"، إنّ "تقليل الضرر لا يعني تشجيع التدخين، بل تقديم بدائل أقل سمّية لأولئك الذين فشلوا في الإقلاع".

النيكوتين ليس مسؤولا عن السرطان
وأوضح أنّ حرق التبغ هو المصدر الأساسي للمركبات السامة، بينما "النيكوتين بحد ذاته ليس مسؤولًا عن السرطان أو أمراض القلب والرئة"، مضيفًا أنّ "فصل النيكوتين عن الاحتراق هو جوهر هذا التوجه".
وتُظهر مراجعة أعدّتها هيئة الصحة العامة البريطانية عام 2021، أنّ السجائر الإلكترونية أقل ضررًا بنسبة 95% مقارنة بالتدخين التقليدي. وهو ما أكده بولوسا قائلًا: "رأيت مرضى جربوا التبغ المُسخن أو السجائر الإلكترونية، وبعد أيام فقط تخلوا عن التدخين نهائيًا، على الرغم من أنهم لم يخططوا لذلك".
وأشار إلى أنّ هذه المنتجات بما فيها أكياس النيكوتين، لا تعتمد على الاحتراق، وبالتالي لا تُنتج أول أكسيد الكربون، وهو العامل الأساسي في حرمان الجسم من الأكسجين وزيادة خطر أمراض القلب.
ويرى بولوسا أنّ السياسات التي ترفض دعم البدائل، تُعيق التقدم نحو مستقبل خالٍ من التدخين، مشيرًا إلى تجربة نيوزيلندا، حيث أطلقت الحكومة حملة "Vape to Quit Strong"، ما خفّض نسبة المدخنين من 12% إلى 6% في أقل من عامين، وفق بيانات وزارة الصحة النيوزيلندية.
وأضاف أنّ "رفض اعتماد هذه المنتجات تحت ذريعة الحذر، يعني الإبقاء على التبغ المحترق كخيار وحيد، وهذا يتعارض مع مبدأ حماية الصحة العامة".
منتجات النيكوتين.. بديل أقل خطورة
وعلى الرغم من الجدل حول استخدام النيكوتين بين الشباب، بيّن بولوسا أنّ هذه المنتجات قد تكون، من الناحية الواقعية، "بديلًا أقل خطورة" مقارنة بالتدخين القاتل، مضيفًا في حديثه مع "المشهد"، أنّ "الاستهلاك كان موجودًا دومًا، من مضغ التبغ في الماضي، إلى السجائر في القرن الـ20، واليوم نحتاج إلى حلول تناسب القرن الـ21".
وبشأن قرار دولة الإمارات العربية المتحدة بالسماح بتداول أكياس النيكوتين الخالية من التبغ، التي ستصبح متاحة للشراء بشكل قانوني بدءًا من 29 يوليو المقبل، رحّب بولوسا بهذه الخطوة، معتبرًا أنها "توفر مسارًا واقعيًا لتقليل الأذى للمدخنين غير القادرين على الإقلاع الفوري".
قانون أكياس النيكوتين في الإمارات
وفي تفاصيل قرار الإمارات، أصدر مجلس الوزراء في الدولة القرار رقم (2) لسنة 2025 بشأن اللائحة الفنية لأكياس النيكوتين الخالية من التبغ، حيث اعتُبرت هذه اللائحة إلزامية التطبيق على مستوى الدولة.
ويأتي القرار استنادًا إلى الدستور، والقانون الاتحادي رقم (1) لسنة 1972 بشأن اختصاصات الوزارات، والمرسوم بقانون اتحادي رقم (20) لسنة 2020 المتعلق بالمواصفات والمقاييس، وذلك بناءً على عرض وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة وموافقة مجلس الوزراء.
وتهدف هذه الخطوة إلى تنظيم تداول هذه المنتجات وضمان التزامها بالمعايير الفنية المعتمدة، في ظل توجه الدولة نحو تعزيز حماية الصحة العامة عبر بدائل خالية من الاحتراق.
أهمية تنويع البدائل
وفي هذا الصدد، شدد البروفيسور بولوسا على أهمية "تنويع البدائل الخالية من الاحتراق"، قائلًا إنّ ذلك يمنح المدخنين فرصة لاختبار منتج يتماشى مع نمط حياتهم، ويُقلّل في الوقت ذاته من المخاطر الصحية المرتبطة بالتدخين.
وعن الفجوة بين العلم والرأي العام، أشار بولوسا إلى أنّ "الرسائل الصحية العامة كثيرًا ما يشوبها الالتباس"، لافتًا إلى أنّ "تركيز بعض وسائل الإعلام على القصص السلبية، قد يسهم في تعزيز التصورات المبالغ فيها حول السجائر الإلكترونية".
ويُعدّ البروفيسور بولوسا من أبرز الشخصيات العلمية العالمية في مجال مكافحة التدخين والحد من أضرار التبغ، وفي محصلته أكثر من 300 ورقة بحثية محكمة، ويشغل منصب مستشار علمي في منظمات دولية تُعنى بتطوير بدائل أقل ضررًا، كما يقود اللجنة الأوروبية المختصة بوضع المعايير الفنية لاختبارات انبعاثات السجائر الإلكترونية.