كشفت حالة نادرة عن مشكلة خطيرة في تنظيم التبرع بالأمشاج (الخلايا المسؤولة عن العمليّة التناسليّة لدى الكائنات الحيّة)، بعدما تبيّن لاحقًا أن أحد المتبرعين بالحيوانات المنوية يحمل طفرة جينية مسببة للسرطان في خلايا أمشاجه.
وخلال المؤتمر السنوي للجمعية الأوروبية لعلم الوراثة البشرية، أوضحت المتخصصة في الاستعداد الوراثي للإصابة بالسرطان في مستشفى جامعة روان بفرنسا الدكتورة إدويج كاسبر أن غياب التنسيق والتنظيم المشترك بين الدول الأوروبية يمكن أن يؤدي إلى تكرار استخدام الأمشاج داخل العائلات، مما يزيد من خطر زواج الأقارب وانتشار الأمراض الوراثية بشكل غير طبيعي.
ما القصّة؟
في نهاية عام 2023، تلقى مختبر كاسبر اتصالاً من طبيب فرنسي أفاد بأن إحدى مريضاته تلقت رسالة من بنك حيوانات منوية خاص في أوروبا، تُشير إلى اكتشاف "متغير جيني غير معروف الأهمية" في جين TP53 لدى أحد المتبرعين، وهو جين يلعب دورًا مهمًا في كبح نمو الخلايا السرطانية.
وأوضحت الرسالة وفق موقع "ميديكال إكسبرس" أن المتبرع لا تظهر عليه أعراض المرض، إلا أن أولاده البيولوجيين قد يكونون معرضين للإصابة بمتلازمة لي-فراوميني، وهي حالة وراثية نادرة تزيد من احتمالية تطور أنواع متعددة من السرطان في سن مبكرة.
أُصيب بعض الأطفال الناتجين عن هذا التبرع بالفعل بسرطان الدم وسرطان الغدد اللمفاوية غير الهودجكينية، ما دفع إلى وقف استخدام أمشاج هذا المتبرع نهائيًا.
وذكرت كاسبر:
- قمنا بتحليل هذا المتغير باستخدام قواعد بيانات طبية وأدوات تنبؤية وتجارب وظيفية، وتوصلنا إلى أنه من المحتمل أن يكون مسببًا للسرطان.
- لذلك من الضروري أن يخضع الأطفال المولودون من هذا المتبرع للمشورة الوراثية.
وقد عُرضت هذه الحالات في اجتماع شبكة "GENTURIS" الأوروبية المعنية بمتلازمات الاستعداد الوراثي للسرطان في عام 2024.
وفي الوقت ذاته، بدأت أقسام الوراثة وطب الأطفال في عدة دول أوروبية بالتحقيق في حالات مماثلة، ما أسفر عن فحص 67 طفلًا من 46 عائلة في 8 دول أوروبية، وُجد المتغير الجيني في 23 منهم، وأُصيب 10 أطفال حتى الآن بأنواع مختلفة من السرطان.
رقابة مشددة
ويُخضع الأطباء الأطفال المولودين بين عامي 2008 و2015 لرقابة طبية مشددة تهدف إلى الكشف المبكر عن السرطان، عبر بروتوكولات تشمل فحوصات بالرنين المغناطيسي الشامل والدماغي، وتصوير الثدي بالموجات فوق الصوتية، إضافة إلى فحوص سريرية دورية.
وتُشير كاسبر إلى أن هذه الإجراءات، رغم أنها مرهقة، تساهم بشكل كبير في تحسين فرص النجاة.
وأشارت أيضًا إلى ضرورة تجنّب تعريض هؤلاء الأطفال للفحوصات الإشعاعية كالأشعة السينية أو التصوير المقطعي، لأن الدراسات على نماذج حيوانية أظهرت أن هذه الإجراءات قد تُسرّع تطور الأورام لدى حاملي طفرة TP53.
ورغم أن هذا المتغير الجيني كان نادرًا للغاية عام 2008 عند بدء التبرع، إلا أن القضية كشفت عن أوجه قصور تنظيمية ما زالت قائمة.
فقد رفضت بعض عيادات الخصوبة تزويد العائلات بالمعلومات الضرورية حول هذا المتغير، وأصرت على إجراء الفحوصات في مختبراتها الخاصة، مما يعكس مشكلة كبرى في غياب تشريعات أوروبية موحّدة.