غضبٌ عارم يجتاح الأوساط المصرية المختلفة في هذه الأثناء، عقب الكلمة التي ألقاها رئيس حركة "حماس" خليل الحية مؤخراً، والتي حاول خلالها تشويه الدور المصري تجاه القضية الفلسطينية، متناسياً الجهود المصرية الحثيثة والمبذولة باتجاه وقف الحرب الإسرائيلية الدائرة في قطاع غزة منذ ما يقارب العامين، ومحاولتها المستميتة في إدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع لإنقاذ سكانه من مجاعةٍ محققة بسبب الحصار المفروض عليهم من الجانب الإسرائيلي.
وبحسب مراقبين، فإن خطاب الحية الذي كان من المنتظر أن يأتي محملاً بجملةٍ من المقترحات والحلول التي تسهم في تحريك المياه الراكدة في مسار المفاوضات المتعثرة مع الجانب الإسرائيلي، من أجل إنقاذ حياة ما تبقى من الفلسطينيين داخل غزة، غلبت عليه العاطفة أكثر من الواقعية، وراح الحية يستعطف المصريين بجملٍ رنانة تستلهم المشاعر، وبعيدةٍ كل البعد عن الواقع، الذي وعلى ما يبدو لا ترغب "حماس" في رؤيته بحسب الكثير من الساسة داخل مصر.
خاطب رئيس حركة "حماس" المصريين قائلاً: "أشقاءنا في مصر الكنانة، نخاطبكم انطلاقاً من مكانتكم السياسية والاجتماعية في الأمة، وفي الساحة الدولية، وندرك أنكم تتألمون لألم إخوانكم في غزة، يا أهل مصر وقادتها، أيموت إخوانكم في غزة من الجوع وهم على حدودكم؟".
توافق بين "حماس" و"الإخوان"
رسائل الحية المباشرة إلى مصر شعباً وحكومةً لم تمر مرور الكرام على الأوساط المختلفة داخل الدولة، وبدت أسئلة عديدة تلوح في الأفق كان من أهمها: ماذا تريد "حماس" وقادتها من مصر في هذا التوقيت؟
وحول هذا الأمر أوضح الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية الدكتور سعيد عكاشة، أن أهداف خليل الحية تتوافق بشكلٍ كامل مع الأهداف الرئيسية للتنظيم الدولي لجماعة "الإخوان"، والتي تأتي في مقدمتها إسقاط النظام المصري، وتحويل مصر إلى مستنقعٍ من الفوضى، وأشار إلى أن اعتراف الحية بدور مصر الحيوي تجاه القضية الفلسطينية لا قيمة له مطلقاً، لأن الجميع يعلم جيداً ما تقوم به مصر بحق الأشقاء في فلسطين.
ولفت عكاشة إلى أن هناك أسباباً عديدة دفعت خليل الحية إلى تبني هذا الخطاب غير المقبول على مصر، وذكر أن من أبرز هذه الأسباب الآتي:
- الأزمة الكبيرة التي تمر بها حركة "حماس"، خصوصا وأنها فقدت قوتها العسكرية، ولم يعد لديها من هذه القوة سوى أنها تقوم بزرع الألغام في شوارع غزة، إضافةً إلى أنها أوشكت أن تنتهي سياسياً كما انتهت عسكرياً، وبالتالي فتصريحات الحية تعبيرٌ عن اليأس والإحباط، والتي يحاول من خلالها أن يخلق مبرراتٍ للفشل الذي يعصف بالحركة.
- اعتقاد التنظيم الدولي لـ"الإخوان" بأن الأوضاع الاقتصادية التي تمر بها مصر في هذه الفترة، من الممكن أن تكون فرصة للضغط على الشعب المصري، من خلال خلط المشاعر الدينية بالأوضاع الاقتصادية، ومن ثم تفجير الأوضاع الداخلية في مصر.
حملات ممنهجة
تصريحات رئيس "حماس" خليل الحية تزامنت مع الدعوات التحريضية التي تطالب بالتجمهر أمام السفارات والبعثات الدبلوماسية المصرية، كما أنها جاءت في خضم دعواتٍ في الداخل الإسرائيلي نفسه تطالب بالتظاهر أمام السفارة المصرية في تل أبيب دعماً لغزة، لذلك أكد عكاشة أن "مصر تتعرض في هذه الفترة لحملاتٍ ممنهجة من أجل تشويه دورها تجاه القضية الفلسطينية، وأن من يقفون وراء تلك الدعوات يتسترون خلف شعاراتٍ زائفة لخدمة أجنداتٍ معروفة للجميع، على رأسها جماعة "الإخوان" الإرهابية ومن يدور في فلكها"، مشيراً إلى أن تلك التحركات لا تمت للقضية الفلسطينية بصلة، بل ستؤدي إلى نسف ما تحقق من إيجابيات يمكن البناء عليها.
ورداً على محاولة تقليل رئيس حركة "حماس" خليل الحية من الجهود المصرية تجاه الأزمة المتفاقمة في غزة، كشف الخبير في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، أن معظم المساعدات الإنسانية والإغاثية التي دخلت إلى قطاع غزة منذ بدء الحرب الإسرائيلية على القطاع وحتى اليوم كانت مساعداتٍ مصرية في محاولةٍ منها لمعالجة الأوضاع المأساوية هناك، بالإضافة إلى جهودها المبذولة في ملف التهدئة ومنع توسع دائرة العنف، ناهيك عن الموقف التاريخي والمشرف الذي قادته مصر نحو الرفض القاطع لتهجير الفلسطينيين إلى سيناء، ونجاحها في الحشد الدولي اللازم تجاه هذا الأمر، وبيّن أن مصر لا تحتاج إلى شهادة الحية أو غيره من قادة "حماس" فيما تقوم به نحو فلسطين وشعبها.
الأردن غاضب
الأردن هو الآخر لم يكن بمنأى عن خطاب رئيس حركة "حماس" خليل الحية، حيث حرّض الأردنيين على الاحتجاجات والتظاهر أمام سفارات الدول الأجنبية، وخصوصا الداعمة لإسرائيل، وطالبهم بالزحف نحو الأراضي الفلسطينية، كما توجه إلى الأردن قائلاً: "ننتظر من إخواننا في الأردن تصعيد احتجاجاتهم".
وتعقيباً على هذا الأمر، انتقد وبشدة أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأردنية الدكتور محمد المصالحة حديث الحية تجاه الأردن، وأكد في تصريحاته لمنصة "المشهد" أن ما طالب به الحية مرفوضٌ جملةً وتفصيلاً لدى عموم الأردنيين، وأن مثل هذه الخطابات الجوفاء تُنَفِّر الشعب الأردني من هكذا قيادات لا تشعر بمدى الكارثة التي تحل بالشعب الفلسطيني، وخصوصا سكان غزة الذين يواجهون أعتى مؤامرةٍ في تاريخهم، وبالتالي فهو في أمسّ الحاجة إلى أي مساعدة من كافة العرب، والأردن بحكم مسؤولياته وشعوره بالمسؤولية القومية يقدم أي دعمٍ لفلسطين ولكل الإخوة الذين غادروا بلادهم نتيجة الحروب والاضطهاد.
وفيما يتعلق بدوافع رئيس حركة "حماس" خليل الحية إلى تجاهل دور الأردن تجاه القضية الفلسطينية، أوضح المصالحة أن دوافع الحية سياسية بامتياز في هذا الاتجاه، واصفاً إياها بالمعيبة والمشينة، كما أنها تعد محاولةً لصرف الأنظار عن العدو الحقيقي وتحويل البوصلة نحو من يقف مع القضية بإخلاص، مؤكداً أنه كان يجب على الحية الاضطلاع بمسؤولياته والتحدث بعقلانيةٍ وإنصاف، خصوصا وأن القضية الفلسطينية تمر بأصعب فترات تاريخها.
وبين أن هذه التصريحات لا تنتقص من الدور الأردني الفاعل في تقديم كافة أشكال الدعم للفلسطينيين وقضيتهم العادلة، وأن غزة أكبر من الحية، وأشرف من كل الخطابات المشوّهة التي دأب عليها قادة "حماس".
وأوضح أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأردن أن "الأردن، وهو يبذل قصارى جهده تجاه القضية الفلسطينية، ويقدم المساعدات الإغاثية والإنسانية إلى الأشقاء في قطاع غزة، فإنما يفعل ذلك انطلاقاً من مسؤولية الأردن بواجبه القومي وإيمانه بالعمل الإنساني لأي دولة عربية أو غير عربية، كما أن الأردن لا ينتظر شكراً ولا حمداً من شخصياتٍ سياسيةٍ لها مواقف مُسَيّسة ومعروفة، كرئيس حركة "حماس" خليل الحية"، مشيراً إلى أن بلاده تستمع فقط إلى أصوات أبناء غزة، لأنهم من يتحدثون بصدقٍ وبحرارة، فهم الذين يواجهون التحديات والصعاب ويعيشون تحت وطأة الظلم والقهر، لكنها في ذات الوقت لن تقبل بأن يُطعَن في ظهرها من أشخاصٍ لهم مآرب سياسية معروفة للجميع.