وقد أدى الانهيار الحاد في قيمة العملة الوطنية وتدهور الأوضاع المعيشية إلى تفجر غضب مكبوت، سرعان ما خرج إلى الشوارع وتحول من مطالب اقتصادية إلى شعارات سياسية تطعن في شرعية الحكم نفسه.
جيل ينتظر لحظته
مِهناز، طالبة علوم الحاسوب (19 عامًا) من طهران، كانت صغيرة السن حين اندلعت احتجاجات 2022 بعد وفاة مهسا أميني في عهدة "شرطة الآداب".
آنذاك منعتها والدتها من النزول إلى الشارع، فاكتفت بمتابعة مشاهد القمع من المنزل.
تقول اليوم، وقد شاركت أخيرا في التظاهرات "كانوا يضربون الناس ويطلقون النار عليهم. منذ ذلك الوقت وأنا أنتظر فرصتي".
وتضيف، مستخدمة اسما مستعارا خوفا من الملاحقة "حتى عندما لا نحتج، يعتقلون ويعدمون. فلماذا ننتظر اللحظة المناسبة؟ إذا كانوا يقتلوننا على أي حال، فما الذي نخسره؟".
وانطلقت الشرارة الأولى عبر إغلاق التجار لمحالهم احتجاجا على تدهور الأوضاع الاقتصادية، قبل أن تمتد التظاهرات بسرعة من طهران إلى نحو 32 مدينة.
ومع اتساعها، تحوّلت الهتافات من رفض الغلاء وتدهور العملة إلى شعارات سياسية صريحة، مثل "الموت للديكتاتور" و"المرأة، الحياة، الحرية"، في استعادة مباشرة لخطاب احتجاجات 2022.
ووفق منظمات حقوقية، قُتل ما لا يقل عن 10 متظاهرين في أعمال العنف المرتبطة بالاحتجاجات، فيما أُصيب العشرات واعتُقل 119 شخصًا على الأقل.
وتشير تقارير إلى استخدام قوات الأمن القوة المميتة لتفريق المحتجين.
ويلعب الطلاب دورًا بارزًا في التظاهرات حيث يروي رضا، طالب جامعي (20 عامًا) للغارديان، أن عناصر بلباس مدني والباسيج اقتحموا السكن الجامعي ليلة رأس السنة، وبدأوا التحقيق مع الطلاب وضرب بعضهم بحثًا عن "قادة للاحتجاج".
وبعدها، جرى تحويل عدد كبير من المحاضرات إلى التعليم عن بُعد، مع تعزيز الحضور الأمني داخل الجامعات.
ويقول رضا "الانضمام للاحتجاجات يعني تدمير مستقبلنا، لكننا أدركنا أنه لا مستقبل لنا أصلا في ظل هذا النظام. فلماذا نختبئ الآن؟".
نظام تحت ضغط داخلي وخارجي
تأتي هذه الاحتجاجات في توقيت بالغ الحساسية، بعد حرب استمرت 12 يوما مع إسرائيل في يونيو الماضي، قُتل خلالها أكثر من ألف شخص، وتعرّضت إيران لقصف واسع هز صورة النظام الذي طالما روّج لنفسه كقوة منيعة.
ويستحضر كثير من الإيرانيين مشاهد اضطرارهم للاختباء في محطات المترو، متسائلين عن سبب عجز الدولة عن الاستعداد لحرب كانت متوقعة منذ سنوات.
ومع توسع الاحتجاجات، صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لهجته، ملوّحًا بإمكانية توجيه ضربات جديدة لإيران، ومهددًا بالتدخل إذا قتلت السلطات المحتجين.
هذه التصريحات دفعت مسؤولين إيرانيين، بينهم علي لاريجاني، إلى الترويج لرواية "التدخل الخارجي"، متهمين الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف خلف التظاهرات.
غير أن هذه التهديدات الخارجية زادت من قناعة بعض المحتجين بأن الوقت مناسب للتحرك.
ويقف في قلب هذه الاحتجاجات اقتصاد مأزوم، يُرجعه خبراء إلى مزيج من سوء الإدارة والعقوبات الدولية.
وفقد الريال الإيراني أكثر من 50% من قيمته خلال 6 أشهر، وبلغ مستوى تاريخيًا عند 1.4 مليون ريال مقابل الدولار.
وارتفعت كلفة المعيشة بشكل حاد، إذ زادت أسعار الغذاء بنحو 50% مقارنة بالعام الماضي، فيما تآكلت القدرة الشرائية للطبقة الوسطى.
كما أثار إعلان ضريبة جديدة من المقرر تطبيقها مع بداية العام الإيراني في 21 مارس موجة سخط إضافية، في وقت يشعر فيه المواطنون بأنهم يدفعون ثمن أزمات لم يتسببوا بها.
هل تتكرر تجربة 2022؟
يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة هذه الاحتجاجات على الصمود في وجه قمع واسع كالذي أنهى احتجاجات 2022.
فالحركة الحالية أصغر حجما، وتفتقر إلى رمز جامع مثل مهسا أميني، كما أن مطالبها أكثر تشتتًا وتمحورًا حول الاقتصاد.
ومع ذلك، يؤكد المحتجون أنهم تعلّموا من التجارب السابقة، إذ يقول موئين (28 عامًا) من لورستان "أدركنا أن الحرية لا تأتي إلا بالاحتجاج المتواصل والمنظم. هذه المرة الهدف واضح: إنهاء النظام، وهذا ما يجمع كل موجات الغضب".
وتعكس هذه الاحتجاجات تراكم سنوات من الإحباط الاقتصادي والانسداد السياسي، وتكشف عن شرخ عميق بين السلطة وشرائح واسعة من المجتمع، خاصة الشباب.
وبينما يراهن النظام على القمع ورواية "المؤامرة الخارجية"، يراهن المحتجون حسب تقرير الغارديان، على أن تظافر الضعف الداخلي مع الضغط الخارجي يجعل هذه اللحظة مختلفة، وربما حاسمة في تاريخ إيران.