يتفشى الجوع وتكشر المجاعة عن أنيابها في السودان، وسط غياب أيّ مؤشرات على تراجع حدة الحرب التي اندلعت في أبريل من العام الماضي، بين الجيش السودانيّ وقوات الدعم السريع.
والتوقعات مؤلمة وصادمة حسبما تشير مقابلات أُجريت مع أكثر من 160 مدنيًا عصف بهم القتال، وما يزيد عن 60 من موظفي الإغاثة وخبراء الأمن الغذائي، فضلًا عن مراجعة المسوحات الغذائية التي تجريها وكالات الإغاثة.
وأمضى مراسلون لرويترز ما يقرب من أسبوع في أم درمان الشهر الماضي، وهي واحدة من المدن الثلاث التي تشكل العاصمة الخرطوم، وأجروا مقابلات مع أشخاص يئنون تحت وطأة النقص الحاّ في الغذاء.
أزمة جوع
وقالت آنيت هوفمان التي أعدت تقريرًا لمؤسسة كليجندال البحثية التي مقرها هولندا، عن أزمة الغذاء في السودان "تسببت الحرب في أكبر أزمة جوع في العالم... من المرجح أن تحدث مجاعة لم نشهدها منذ عقود".
ولم يردّ الجيش السوداني وقوات الدعم السريع على أسئلة عن تفاصيل في هذا التقرير، فيما قالت وزارة الخارجية السودانية، وهي جزء من الحكومة التي يقودها الجيش، إنها ملتزمة بتسهيل إيصال المساعدات.
ونفت قوات الدعم السريع ارتكاب أعمال نهب، وقالت إنها ستحاسب أيّ عناصر مارقة في صفوفها، متهمة الجيش بتعطيل إيصال المساعدات.
الانعدام الحاد للأمن الغذائي
ومن أجل البقاء على قيد الحياة يلجأ الناس في أنحاء السودان إلى تدابير يائسة، ففي غرب دارفور، لم يجد المزارعون ما يسدّ رمقهم سوى البذور التي كانوا قد اشتروها لغرسها، بعد أن نهبت قوات الدعم السريع أراضيهم. وفي منطقة كردفان، باع البعض أثاثهم وملابسهم للحصول على نقود لشراء الطعام.
وفي الخرطوم، لم يجد سكان محاصرون في منازلهم خيارًا سوى قطع أوراق الأشجار وغليها وأكلها.
ويشير التصنيف المرحليّ المتكامل للأمن الغذائي، وهو أداة عالمية لرصد الجوع، إلى أنّ ما يقرب من 18 مليون شخص في السودان، أي أكثر من ثلث سكان البلاد البالغ عددهم 49 مليونًا، يواجهون "مستويات عالية من الانعدام الحادّ للأمن الغذائي"، وتشير تقديراته أيضًا إلى أنّ من بين هذا العدد، هناك ما يقرب من 5 ملايين على بعد خطوة واحدة من المجاعة.
وقال التقرير في مارس، إنّ هناك حاجة إلى إجراء فوريّ "للحيلولة دون تزايد أعداد الوفيات والانهيار التام لسبل العيش، وتجنب أزمة جوع كارثية في السودان"، مضيفًا أنه لم يتمكن من تحديث التوقعات التي قدمها في ديسمبر، بسبب صعوبة الحصول على البيانات من مناطق الصراع، وانقطاع خدمات الإنترنت والهواتف عن معظم أنحاء السودان.
وفي بعض الأماكن، يموت الناس بالفعل، وخلصت تقديرات منظمة أطباء بلا حدود، إلى وفاة طفل واحد في المتوسط كل ساعتين في مخيم زمزم الضخم للنازحين في شمال دارفور، نتيجة المرض وسوء التغذية.
وعلى الرغم من الأزمة الغذائية التي تطبق على البلاد، لم يحظ الوضع في السودان بقدر معتبر من التدقيق الدولي، مقارنة بالأزمات الإنسانية الأخرى في أماكن مثل أوكرانيا وغزة، ويطلق بعض المراقبين على الصراع في السودان وصف "الحرب المنسية".
وقالت تشاسا لطيفي كبيرة مستشاري برامج الصحة العالمية في منظمة الإغاثة بروجكت هوب، "أكبر تحدّ يواجهنا، هو التمويل وقلة الاهتمام بالسودان... هناك اهتمام كبير بكل من أوكرانيا وغزة، لدرجة أنه لا توجد فرصة لدى أيّ أحد للتفكير في السودان أو حتى الاستماع لما يحدث هناك".
ولم تفلح الضغوط الدولية على طرفَي الصراع حتى الآن في حل أزمة إيصال المساعدات، وحمّلت إيزوبيل كولمان نائبة مدير الوكالة الأميركية للتنمية الدولية كلًا من قائد الجيش السودانيّ الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات الدعم السريع الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي)، المسؤولية عن عدم وصول المساعدات للسكان.
وقالت لرويترز "يتحملان مسؤولية شبح المجاعة التي تلوح في الأفق... الناس حرفيًا يموتون كل يوم بسبب عدم إمكانية الحصول على الغذاء وغيره من الضروريات".
وأبدى بعض مسؤولي الإغاثة وخبراء التغذية قلقًا إزاء تأخر صدور أحدث تقييمات التصنيف المرحليّ المتكامل للأمن الغذائيّ بشأن أزمة الغذاء في السودان.
وفي حين أنّ التحذير من حدوث مجاعة لا يستتبع أيّ تعهدات ملزمة على الأمم المتحدة أو الحكومات، فإنّ من شأنه توجيه اهتمام العالم نحو وضع الأزمة وحشد الموارد اللازمة لتقديم مساعدات طارئة. وبشكل عام، فإنّ إعلان المجاعة في مكان ما يصدر عن الحكومات والأمم المتحدة.
جوع في الخرطوم
لا يقتصر الحرمان على الفقراء، وحتى قبل الحرب، كان السودان يواجه فقرًا متفشيًا وجوعًا واسع النطاق، وتقول الأمم المتحدة إنّ السودان صار يعاني أكبر أزمة نزوح، إذ إنّ واحدًا من كل 8 نازحين في العالم سوداني، وتسبب القتال في انهيار الاقتصاد، ما أثر على الجميع من دون تمييز.
وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أنّ ما يقرب من نصف السكان يعانون البطالة، وانهار النظام المصرفيّ الرسمي، ما حال من دون إمكانية وصول المواطنين إلى ودائعهم.
وأدى انقطاع خدمات الاتصالات إلى حرمان الناس من شريان الحياة الرئيسي المتمثل في تحويل الأموال عبر الإنترنت، وأشار وزير المالية السودانيّ جبريل إبراهيم، إلى انكماش الاقتصاد 40% بسبب الحرب.
وفي أحياء الطبقة المتوسطة بالخرطوم، صارت الحياة معركة يومية يسودها الجوع والخوف، إذ يجد الناس أنفسهم محاصرين بين الجيش وقوات الدعم السريع.
ولا يزال الناس محاصرين في أكثر من 12 منطقة بالخرطوم. وأفادت هيئة عالمية معنية بانعدام الأمن الغذائي، وهي شبكة أنظمة الإنذار المبكّر من المجاعة، في مارس بأنّ هناك مناطق في العاصمة عرضة "لخطر المجاعة"، إذ إنّ طرفَي الصراع "يستخدمان تكتيكات شبيهة بالحصار، ليقطع كل منهما الإمدادات عن خصمه".