hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 الصين بمواجهة "الناتو" الآسيوي من "محور وعجلات" إلى "شبكة الردع"

المشهد

أميركا نشرت نظام الصواريخ متوسطة المدى "تايفون" في الفلبين (رويترز)
أميركا نشرت نظام الصواريخ متوسطة المدى "تايفون" في الفلبين (رويترز)
verticalLine
fontSize

التوتر الذي تشهده منطقة بحر الصين يبدو أنه يخلق نوعاً جديداً من التحالفات، أو لنقل إنه يجدد التحالفات القديمة ليخلق منها قوى قادرة على التنازع في ظل الظروف الحالية، كأنما تعيش "الحرب الباردة" التي كانت قبل عقود بأشكال مختلفة.

من جهة، الصين ومعها روسيا وتحالفها مع دول قريبة مثل ميانمار، مقابل تحالفات عدة يمكن تسميتها بـ"ناتو آسيوي" فيه اليابان والفلبين وأستراليا بقيادة أميركية ودعم بريطاني، وإلى جانبها تحالف "أوكوس" الذي يضم أستراليا وبريطانيا والولايات المتحدة، ويظلله من قريب حراك كوريا الجنوبية مقابل جارتها كوريا الشمالية، ذات الصواريخ البالستية والقنبلة النووية التي تهدد بها من حين لآخر.

وبهذا تشهد بنية منطقة المحيطين الهندي والهادئ تحولاً عميقاً، فبينما تتحفظ واشنطن على مصطلح "الناتو الآسيوي"، فإن الواقع الميداني يشير بوضوح إلى أنّ منظومة دفاع جماعي، دخلت حيز التنفيذ. فهذه المنطقة لا تتجه نحو منظمة معاهدة أحادية الكتلة كما هو الحال في حلف شمال الأطلسي، بل نحو "هيكلية شبكية" تتكون من تحالفات مصغرة متداخلة، صُممت بهدف تطويق وردع الدور الصيني.

بعد الحرب الكورية في منتصف القرن الماضي، تميزت البنية الأمنية التقليدية في آسيا بنظام "المحور والعجلات"، حيث تمثل الولايات المتحدة "المحور" وترتبط بعلاقات ثنائية منفصلة مع "العجلات" (اليابان، كوريا الجنوبية، الفلبين وأستراليا)، دون وجود ترابط أفقي بين هذه الدول. لكن التوترات الحديثة تشير إلى أن هذا النظام تم تجاوزه لصالح هيكلية شبكية مترابطة، حيث تتفاعل "العجلات" فيما بينها عسكرياً وإستراتيجياً، مما يخلق شبكة مرنة قادرة على العمل دون وساطة أميركية مستمرة.

شهد عاما 2024 و2025 صعود ما يُعرف بـ"الفرقة"، وهو تجمع رباعي يضم الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والفلبين، متميز بتركيزه العملياتي، إذ صُمم لمعالجة أمن سلسلة الجزر الأولى وبحر الصين الجنوبي. وأضفى وزراء دفاع دول "الفرقة" طابعاً مؤسسياً على اجتماعاتهم، مؤكدين في أواخر عام 2025 أهمية تعميق التعاون البحري والجوي لتعزيز الردع، وبذلك تمثل "الفرقة" رأس الحربة في مفهوم "الناتو الآسيوي".

وبظل التوترات، نشرت الولايات المتحدة نظام الصواريخ متوسطة المدى "تايفون" في الفلبين (ولاحقاً في اليابان)، ما أثر على معادلة الردع. هذا النظام يمكنه إطلاق صواريخ تهدد مباشرة القواعد الصينية، ما أثار استياء بكين التي اعتبرته تهديداً وجودياً ومحفزاً لسباق تسلح إقليمي، وحذرت الدول المضيفة من "عواقب وخيمة".

الصين.. هاجس العسكرة

يبرز صعود الجيش الصيني كعامل حسم رئيسي في إعادة تشكيل القوة في منطقة شرق آسيا، وعلى الرغم من أن بكين لم تطرح حتى الآن نفسها كقوة عسكرية عالمية، إلا أن تطوير الجيش ليس مجرد تراكم للعتاد وأعداد الجنود، بل هو تجسيد لإستراتيجية وطنية صاغها الحزب الشيوعي تحت مسمى "العصر الجديد"، وتهدف للتحول إلى قوة مهيمنة إقليمياً وعالمياً، في عقيدة عسكرية يشرف عليها زعيم البلاد والحزب الشيوعي شي جين بينغ، تتجاوز المفاهيم التقليدية للدفاع الوطني لتشمل أبعاداً اقتصادية وتكنولوجية.

بالنسبة إلى التكتلات التي تضم الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والفلبين، وكذلك إلى تحالف "أوكوس"، فتنظر إليها بكين كنسخ آسيوية من "الناتو" التي تهدف إلى حصارها داخل "سلسلة الجزر الأولى".

وترى بكين أن "الناتو الآسيوي" ليس إجراء دفاعياً، بل طوقاً وجودياً مصمماً لخنق صعودها ومنع "التجديد الوطني" (أي توحيد بر الصين مع تايوان)، وهنا يفضل شي جين بينغ "الانتصار دون قتال" حيث طوّر الجيش "إستراتيجية أفعى الأناكوندا"، وهو تكتيك ضغط بطيء مصمم لخنق تايوان اقتصادياً ونفسياً دون إثارة تدخل أميركي واسع النطاق.

وتعتمد بكين على إستراتيجية "الاندماج العسكري - المدني" كركيزة أساسية في بناء قوتها المستقبلية، هذه الإستراتيجية ليست مجرد سياسة صناعية، بل هي إعادة هيكلة منهجية للاقتصاد والمجتمع الصيني لضمان أن كل تقدم في الصناعات المدنية يصب مباشرة في تعزيز قدرات القوة العسكرية، ما يسمح للجيش بالاستفادة من التقنيات المتطورة، وبينها الذكاء الاصطناعي.

البعد الروسي الصيني

في ظل الضغوط الغربية على كل من موسكو وبكين، تعززت علاقات العاصمتين لتوسيع التعاون العسكري بهدف تعزيز القدرات الدفاعية المشتركة، ولذلك أطلقتا مناورات "المحيط-2024" و"التفاعل البحري"، بهدف تعزيز القدرة على مواجهة التهديدات الأمنية المشتركة، بمشاركة من دوريات القاذفات الإستراتيجية في المجال الجوي الدولي.

وشهد عام 2025 تصعيداً من البلدين بدأ مع اختراق طائرة استطلاع صينية (Y-9) المجال الجوي الياباني، وهو ما اعتبرته طوكيو "انتهاكاً غير مقبول للسيادة". تلا ذلك تكثيف للدوريات المشتركة للقاذفات الإستراتيجية الصينية H-6 والروسية Tu-95 قرب الأجواء اليابانية، في رسالة ضد التعاون العسكري بين طوكيو وواشنطن، ويرتبط ذلك مباشرة برفض صيني لتصريحات رئيسة الوزراء اليابانية قالت فيها إن أي هجوم صيني على تايوان سيُعتبر "وضعاً يُهدد بقاء اليابان"، وبالتالي قد يُؤدي إلى رد عسكري من طوكيو.

كما كشفت مناورات "السيف المشترك" الصينية عن تطور في العقيدة العملياتية حيث تتدرب القوات الصينية على عزل جزيرة تايوان، والانتقال من التركيز على الغزو البرمائي المباشر "الذي يحمل مخاطر عالية" إلى سيناريوهات "الحصار الشامل"، وقطع كابلات الاتصالات البحرية، وفرض طوق بحري وجوي يمنع وصول إمدادات الطاقة والغذاء. وتهدف هذه الإستراتيجية إلى إخضاع الجزيرة اقتصادياً ونفسياً من دون الحاجة إلى خوض معارك دموية في المدن، مع الاحتفاظ بالقدرة على تحويل المناورات إلى هجوم فعلي في أي لحظة.

في هذا السياق، يحلل الكاتب والصحفي صالح حديفة السلوك الصيني بالعودة إلى الموروث الثقافي لبكين، قائلاً: "تتصرف الصين وفق منطق مستمد من صن تزو في كتاب فن الحرب، الذي نص على أن معرفة نوايا العدو تمر أحياناً عبر إزعاجه واختباره". ويضيف أن التصرفات الصينية تندرج ضمن هذا الإطار، حيث يؤكد الفكر العسكري الصيني أن "الأفضل دائماً هو تجنب الحرب، لكن مع الاستعداد الدائم لها، وإبقاء الخصم البعيد في حالة شعور بأنك قريب منه".

هل تقع الحرب؟

رغم التصعيد الميداني والتوتر في بعض النقاط من بحر الصين الجنوبي، تبقى الحسابات السياسية والاقتصادية لإعلان الحرب معقدة. وهنا يلفت صالح حديفة إلى البعد الإنساني كعامل ردع، وخصوصاً ملف اللاجئين، ناقلاً عن مسؤول صيني قوله إن "أي أزمة مباشرة قد تؤدي إلى كارثة إنسانية واسعة النطاق، بتكلفة قد تطال مئات الملايين من البشر".

ويعلّق حديفة بأن "سيناريو تدفق اللاجئين بات مقلقاً وخانقاً، خصوصاً للدول الغربية التي تتابع كيف تحول ملف اللجوء إلى عامل مؤثر في سياساتها الداخلية والخارجية". ويخلص إلى أنه "لا يبدو منطقياً أن يسعى أي طرف عاقل إلى إشعال أزمة كبرى"، مرجحاً أن الولايات المتحدة، حتى بقيادة دونالد ترامب الذي يطمح إلى تقديم نفسه كصانع سلام، لن تذهب إلى حرب شاملة، بل ستبقي الأمور في إطار "لعبة شد الحبال".

لقد دخلت المنطقة في ديناميكية "حرب باردة"، حيث لا يُحافظ على الردع بكلمات المعاهدات، بل بالاحتكاك المستمر بين السفن، ونشر الصواريخ والسباقات الصناعية. لقد تشكل "الناتو الآسيوي" بالفعل، لكن قدرته على الصمود تعتمد على ما إذا كان تماسكه السياسي قادراً على تحمل ضغوط الإكراه الاقتصادي الصيني.