يُعدّ الإطار التنسيقي أحد أبرز التحالفات الشيعية في العراق، التي تجمع قوى سياسية وفصائل مسلحة، وقد لعب دوراً محورياً في العملية السياسية بعد انسحاب التيار الصدري في العام 2022، إلا أن تصاعد الخلافات الداخلية بين قوى الإطار، يطرح العديد من الأسئلة: ماذا لو تفكك الإطار التنسيقي؟ كيف سيكون شكل الحكومة العراقية الجديدة؟ هل ستنجح ببناء الدولة الديمقراطية الحديثة بعيداً عن الزعامات الإسلامية والحزبية؟
ويُعرف الإطار التنسيقي بأنه تحالف سياسي شيعي، يضم مجموعة من الأحزاب والفصائل التي تشكلت بعد انتخابات 2021 والمؤيدة لإيران، منها دولة القانون بزعامة نوري المالكي، الفتح بزعامة هادي العامري، عصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي، تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم، تحالف النصر بزعامة حيدر العبادي، وتيار الفراتين بزعامة رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني.
وبدأت الخلافات داخل الإطار التنسيقي بالظهور في يونيو الماضي، عندما قررت الأحزاب التي تشكل الإطار، الدخول في الانتخابات البرلمانية العراقية المقررة في 11 نوفمبر المقبل بقوائم منفصلة، ما وصفه مراقبون بأنه يعكس مشكلات داخلية عميقة، قد تمنع الإطار التنسيقي من تشكيل كتلة برلمانية موحدة تعطيه الحق باختيار رئيس وزراء جديد للبلاد، كما فعلت في العام 2022.
ثم بدأ المشهد السياسي الشيعي يتعقد أكثر، بعد تصاعد التنافس بين نوري المالكي ومحمد شياع السوداني، على الرغم من أن الأخير وصل إلى رئاسة الحكومة بدعم مباشر من المالكي وقوى الإطار التنسيقي، إلا أن طموحه لولاية ثانية عبر تحالف سياسي مستقل أثار تحفظات داخل الإطار، خصوصا من المالكي الذي يسعى لاستعادة زمام المبادرة داخل البيت الشيعي، هذا التنافس يعكس صراعاً أعمق بين نهجين: الأول تقليدي محافظ يمثله المالكي والثاني إصلاحي معتدل يتبناه السوداني.
تفكك الإطار التنسيقي
ويقول المحلل السياسي مكرم القيسي لمنصة "المشهد" إن احتمالية انهيار الإطار التنسيقي واردة جداً خلال الفترة المقبلة، خصوصا أن العلاقات التي تربط بين قواه هي علاقات اقتصادية وسياسية وأمنية أكثر منها فكرية أو وطنيةـ، كما يوجد عوامل عدة يمكن أن تسرّع من انهيار الإطار، منها الخصومة الواضحة بين المالكي والسوداني التي قد تتطور في المرحلة القادمة، خصوصًا أن السوداني يسعى لإرضاء أميركا في سبيل الحصول على الولاية الثانية، ما سيدفعه باتجاه بعيد عن المالكي، لأنه من أهم شروط واشنطن لتشكيل حكومة جديدة هي خلوها تماماً من الأحزاب أو الفصائل المسلحة.
والعامل الثاني بحسب القيس هو أن الشارع العراقي اليوم، بدأ يتجه نحو الشخصيات المدنية الشيعية وليس الشخصيات الإسلامية، مما سيعجّل بتفكك الإطار التنسيقي،
أما العامل الثالث، فيوضح القيسي: "ربما نشهد صفقة دولية بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، يمكن لطهران أن تتنازل عن الإطار التنسيقي كعربون صداقة جديدة مع واشنطن، وتضحي به كما ضحت بـ"حزب الله" في لبنان وبنظام بشار الأسد في سوريا. لذلك نقول مشروع تفكيك الإطار التنسيقي محتمل ووارد جداً، لكن لا يمكننا تحديد وقت حدوث ذلك".
الاغتيالات تشعل السباق
ويؤكد القيسي، أن الحكومة الجديدة مهما كان شكلها، سواء بقي الإطار التنسيقي أو تفكك، أو ظهرت تحالفات جديدة بين زعيم تقدم محمد الحلبوسي والسوداني والزعيم الكردي مسرور بارزاني، أو حتى بين المالكي والحلبوسي والبارزاني، فإن هذه الحكومة لابد لها أن تكون خالية من السلاح، لأن القرار الأميركي تم اتخاذه، لا يمكن أن تأخذ الحكومة الجديدة الشكل ذاته للحكومة الحالية، وإلا ستفقد شرعيتها، خصوصًا أن واشنطن وضعت بعض الفصائل المسلحة المنضوية ضمن الحكومة الحالية على قوائم الإرهاب، إذا الحكومة الجديدة سيكون ميولها غربي أميركي.
وشهد العراق صباح اليوم 15 أكتوبر 2025، اغتيال عضو مجلس محافظة بغداد التابع لتحالف السيادة صفاء المشهداني، بعد تفجير سيارته بعبوة لاصقة في منطقة الطارمية شمالي بغداد ، ما أعاد للأذهان حقبة الاغتيالات (2005 - 2006)، ودفع العديد من العراقيين على مواقع التواصل الاجتماعي لمطالبة الحكومة بإنهاء حالة السلاح المنفلت وتحقيق الأمن والاستقرار.
وفي هذا الإطار قال القيسي إنه "لا بد أن تأخذ جهات التحقيق دورها في البحث عن مرتكبي الجريمة، لأن العراق لايريد أن يعود إلى الخلف بل لابد من المضي قدماً إلى الأمام، وذلك لا يتم إلا بنزع سلاح الفصائل وإنهاء حالة السلاح المنفلت، أعتقد أن الحكومة المقبلة ستغيّر المشهد السياسي العراقي الذي يحكمه السلاح إلى مشهد آخر مختلف تماماً".
تحالف ثلاثي جديد
وفي سياق متصل، يرى الباحث والأكاديمي المتابع لعملية الانتخابات البرلمانية عمر الناصر، أن النتيجة المتوقعة هي أن نشهد تفككاً تدريجياً للإطار التنسيقي بعد الانتخابات وليس انهياراً كاملاً، بحيث تتحول مكوناته إلى أجنحة سياسية متنافسة، بعض الأطراف قد تخرج من المعادلة الحكومية تحت الضغط الدولي، بينما يحتفظ السوداني بمحور التهدئة والمرونة كطرف بارز من القوى الشيعية، والسبب الذي سيؤدي إلى هذه النتيجة أن الإطار منذ تأسيسه لم يكن تحالفاً عقائدياً متماسكاً، بل ائتلاف مصلحي جمع قوى شيعية مختلفة الرؤى والولاءات بهدف واحد هو منع التيار الصدري من الوصول والتفرد بالسلطة.
ويتزامن الحديث عن اقتراب انهيار الإطار التنسيقي، مع إمكانية بناء تحالف ثلاثي بين السوداني ورئيس حزب تقدم محمد الحلبوسي والزعيم الكردي مسعود بارزاني، سيظهر هذا التحالف إلى العلن بعد الانتخابات البرلمانية، عن ذلك يقول الناصر، إن هذا السيناريو محتمل وواقعي جدًا ومطروح بقوة في الكواليس السياسية لأسباب كثيرة منها:
- الديمقراطي الكردستاني يريد شريكًا مستقرًا يضمن حصته الدستورية والمالية، ولن يجد أفضل من السوداني الذي أظهر مرونة في التعامل مع الإقليم خلال فتره توليه السلطة.
- الحلبوسي يبحث عن العودة إلى مركز القرار، ولن يجد أفضل من السوداني ليمنحه فرصة البقاء ضمن المحور السني الشيعي المعتدل.
- الرجال الثلاثة يطرحون سياسية معتدلة تتوافق مع إمكانية القبول الإقليمي والدولي وموقف واشنطن وبعض العواصم العربية التي ترى في هذا التحالف صيغة معتدلة يمكن أن تُبعد بعض الأطراف الشيعية غير المنسجمة مع القرار الأميركي عن الحكم وتمنح الحكومة القادمة طابعاً أكثر توازناً.
وبالتالي فإن تحالف السوداني، البارزاني والحلبوسي، مع استمرار الضغط الأميركي وتزايد الخلاف داخل الإطار، يمكن أن يشكل الأغلبية الجديدة مع دعم فعلي من قوى شيعية معتدلة مثل الحكمة أو الفتح.
تفكك الإطار نتيجة متوقعة
ويعتبر الخبير الأمني فاضل أبو رغيف أن فكرة تفكك الإطار التنسيقي وإعادته تشكله بصورة أخرى واردة بعد الانتخابات، خصوصًا أن القوى المتحالفة داخل الإطار غالبيتها التحقت بالسوادني، لكن هنالك تحديات واضحة، لأنه من الممكن لكتلة صادقون (قيس الخزعلي) ودولة القانون (نوري المالكي) أن تشكل ائتلاف جديد لمواجهة السوداني والحلبوسي والبارزاني، وقد تلتحق بها إحدى الكتل السنية أبرزها كتلة السيادة بقيادة خميس الخنجر.
ويؤكد أبو رغيف، أن إعادة تشكيل حكومة جديدة بعيداً عن الإطار التنسيقي، لا يعني أن العراق سيتخلص من مشكلة السلاح المنفلت، لأنّ عملية نزع السلاح تطبيقها متعذر نوعاً ما، ويحتاج إلى وقت طويل، لكن نرى أنه من الممكن بعد تشكيل الحكومة أن تستغني بعض الفصائل عن سلاحها إذا تم إعطاؤها الفرصة للانخراط مع الكتل الأخرى. هذا يقودنا إلى أن العراق لن يستطيع تشكيل حكومة ديمقراطية نموذجية، بسبب كثرة الكتل السياسية وتباين توجهاتها ونظام المحاصصة وتعدد الأحزاب ضمنها الأجنحة المسلحة.
ويأمل العراقيون بتشكيل حكومة ديمقراطية معتدلة، إلا أن هنالك بعض العقبات التي تقف في وجه تشكيلها، نتيجة استمرار عملية تدوير الأوجه السياسية في كل انتخابات برلمانية، كما أن غالبية الكتل السياسية اللاعبة على الساحة العراقية تعمل منذ العام 2003 حتى الآن.
للمزيد :
- أخبار العراق اليوم