ثمّة مؤشرات عديدة على احتمالات تصعيد عسكري بين إيران وإسرائيل، مجددًا، الأمر الذي يتزامن مع تنامي الاحتجاجات ضد النظام في طهران، وهي الاحتجاجات التي تتابعها، بوجه خاص، الدوائر الأمنية في إسرائيل وتقع ضمن "الأخطاء القاتلة" التي تبحث عنها الأخيرة لتنفيذ ردّ عسكري مباشر وفوري.

المبادرة بالهجوم
وكانت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية قد أوضحت أنه في حال قام النظام الإيراني بـ"إطلاق نار واسع على المتظاهرين" أو "وضع منصات الصواريخ في حالة تأهب للهجوم"، سيكون ذلك بمثابة "الخطأ القاتل" الذي يستدعي ردًا عسكريًا على الفور.
وبحسب مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، فإن لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل نهاية العام الماضي، كان يهدف إلى الحصول على "ضوء أخضر" لدعم أي ضربة محتملة للنظام الإيراني، بينما تركز إسرائيل على دعم الاحتجاجات الداخلية في إيران قبل أيّ هجوم مباشر.
في المقابل، طوّرت إيران صواريخها وأنظمة دفاعها، لكنها تتجنب المبادرة بالهجوم، وفق المصادر ذاتها. كما تعتمد على القنوات الروسية لتخفيف التوتر.
غير أن الدوائر الأمنية الإسرائيلية تتعامل مع التظاهرات الإيرانية باهتمام مزدوج؛ حيث تتخطى الجانب الحقوقي ودعم المحتجين إلى مقاربة أخرى مفادها احتمال لجوء نظام "الولي الفقيه" إلى ما يمكن اعتباره تصديرًا للأزمات، من خلال شنّ تصعيد صاروخي مباغت لتقويض الحراك وإنهاء الاحتجاجات.
ضوء أخضر
وفي حديثه لـ"المشهد"، يقول المحلل السياسي الإيراني وجدان عبد الرحمن إن اللقاء بين نتانياهو وترامب كان يهدف إلى الحصول على "الضوء الأخضر" لتوجيه ضربة للنظام الإيراني، بالإضافة إلى تأمين دعم أميركي واضح. وبناءً على ذلك، عاد نتانياهو إلى تل أبيب وهو "مطمئن بأن يده مفتوحة لضرب إيران، وأن الدعم الأميركي سيرافق أي خطوة من هذا النوع".
أما في ما يخصّ الاحتجاجات داخل إيران، فلا يرجح عبد الرحمن أن نتانياهو سيقدم على توجيه ضربة للداخل الإيراني في ظل استمرار الاحتجاجات، رغم بعض تصريحات المسؤولين الإسرائيليين التي تحدثت عن إمكانية تقديم دعم إسرائيلي للمحتجين، حيث إن الدعم الفعلي للاحتجاجات من قبل إسرائيل والولايات المتحدة سيعود بالمنفعة على إسرائيل أولًا.
ويردف: "إيران في هذه الحالة لن تهدد القواعد الأميركية، ولن تستهدف إسرائيل بالصواريخ الإيرانية إذا تم دعم الاحتجاجات بشكل حقيقي؛ لأن ذلك قد يؤدي في النهاية إلى إسقاط النظام الإيراني".
لكن في حال أقدم النظام على قمع الاحتجاجات بشكل دموي، وارتكب عمليات اغتيال بحق المحتجين، وتمكن من إخماد الاحتجاجات، فإن إسرائيل هذه المرة قد "تتدخل عسكريًا لضرب إيران، وبقوة. أما خلال فترة الاحتجاجات، فلن تقدم إسرائيل على أي ضربة للداخل الإيراني، إذ تفضل دعم الاحتجاجات بدلًا من توجيه ضربات عسكرية"، وفق المحلل السياسي الإيراني.
خياران كلاهما مُرّ
في المقابل، لا يملك النظام الإيراني سوى خيارين، وكلاهما مُرّ، بحسب توصيف المصدر ذاته:
- إما أن يستجيب لمطالب المحتجين، ويتنحى، ويترك للشعب حرية تقرير شكل النظام القادم، وبذلك يحفظ دماء الأبرياء ومقدرات البلاد.
- وإما أن يصرّ خامنئي على مواجهة الشارع، وهو ما سيؤدي حتمًا إلى اقتلاع نظامه من السلطة، لكن بكلفة بشرية كبيرة، ودمار واسع في البنية التحتية لإيران.
وفي ما يبدو أن التصعيد المحتمل بين إيران وإسرائيل تتوالى مؤشراته من إيران كما إسرائيل. إذ إن مجلس الدفاع الإيراني الذي تأسس بعد حرب الـ12 يومًا في يونيو العام الماضي، هدد بأن إيران "لن تكتفي بالرد بعد وقوع أي اعتداء، بل ستتعامل مع مؤشرات التهديد بوصفها جزءًا لا يتجزأ من المعادلة الأمنية، بما يتيح لها اتخاذ إجراءات استباقية في إطار الدفاع المشروع".
المجلس الذي تم تدشينه بغرض تقييم الخطط الدفاعية وتحليلها، وكذلك تعزيز جاهزية القوات المسلحة بما يتوافق مع المستجدات الأمنية في المنطقة، قال في بيان صادر اليوم الثلاثاء إن التهديدات الإسرائيلية والأميركية تمس "سيادة" واستقرار إيران، وهي "خطوط حمراء" وليس مسموحًا بخرقها أو تجاوزها، وتابع أن "أي اعتداء أو استمرار في السلوكيات العدائية سيقابل برد متناسب وحازم وحاسم".
سيناريو المواجهة
إذًا، سيناريو المواجهة المتجددة بين إيران وإسرائيل لا يزال في دائرة الاحتمالية، وفق الباحث في مركز الإمارات للسياسات الدكتور محمد الزغول، ويقول: "خلال الأشهر الماضية، التي انتهت بحرب الـ12 يومًا، لم يضع أيّ من الطرفين الوقت؛ إذ عمل كلاهما على تحديث الإستراتيجية العسكرية وتطوير القدرات والاستعداد للجولة المقبلة من الصراع".
فعلى الجانب الإيراني، هناك العديد من التقارير الدولية التي تشير إلى أن إيران ضاعفت عدد صواريخها تقريبًا، وحصلت على كميات كبيرة من الأسلحة الصامتة من الصين، كما تتداول تقارير غير مؤكدة استيراد طائرات من الجيل الرابع من الصين وروسيا، بالإضافة إلى أنظمة دفاع جوي ورادارات متنوعة. ورغم عدم تأكيد هذه المعلومات رسميًا، إلا أنها أثارت اهتمامًا ومخاوف كبيرة، وفق الزغول لـ"المشهد".
ويردف: "أما إسرائيل، فإن ما يؤكد استعدادها خوض الجولة المقبلة هو أنها لم تسعَ لفرض أعمال جوية على الأجواء الإيرانية خلال الحرب التي استمرت 12 يومًا. فقد اختلفت سلوكيات إسرائيل في إيران عما كانت عليه في لبنان أو اليمن أو سوريا، إذ لم تحرك طائراتها فوق إيران خشية تجدد الصراع قبل اكتمال استعداداتها. كما شهدت إسرائيل خلال تلك الحرب خللًا في أنظمة الدفاع الجوي، حيث تمكنت صواريخ إيران من الوصول إلى أهداف داخل إسرائيل، ما دفعها إلى معالجة نقاط الضعف قبل أي هجوم جديد".
وقد عززت إسرائيل جهودها لتطوير أنظمة الدفاع الجوي، بما في ذلك إدخال أنظمة دفاع بالليزر، كما خصصت هذا العام 33 مليون دولار إضافية في ميزانيتها العسكرية، بما يعكس زيادة واضحة وملموسة مقارنة بالأعوام السابقة، كما يشير الباحث السياسي، مؤكدًا أن إسرائيل هذه المرة لا يمكنها التصرف من دون التنسيق مع الولايات المتحدة، لكن الأخيرة تميل إلى "سيناريو تعزيز النظام الإيراني بدلًا من الإطاحة به. هذا الاختلاف في الأجندات يعكس نقاشًا مستمرًا بين الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية، حيث تحاول إسرائيل دائمًا إقناع واشنطن بضرورة تغيير سياسات النظام الإيراني".
بالمحصلة، يبدو أن إسرائيل هي الطرف الأكثر قدرة على فرض معادلاتها في واشنطن، مما يرفع احتمالية استئناف الضربات أو تصعيد المواجهة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى. إلا أن إيران تراهن على تكوين تحالف إقليمي مضاد لإسرائيل، يشمل تقريب العلاقات مع باكستان، المملكة العربية السعودية، تركيا، ومصر، لإبطاء أي هجوم إسرائيلي، بحسب ما يرى محمد الزغول، مع الأخذ في الاعتبار الانتخابات المقبلة في إسرائيل وانتظار تغيير محتمل للحكومة، حيث ستكون "فترة حاسمة" للسباق بين طهران وتل أبيب، حيث يسعى نتانياهو إلى تحقيق أهدافه في طهران، فيما تعمل إيران على تأجيل أي تحرك إسرائيلي حتى تشكيل حكومة جديدة.