بعث اتهام عضو مجمّع تشخيص مصلحة النظام الإيراني، محمد صدر، لروسيا قبل أيام، بأنها زودت إسرائيل بمعلومات عن "مراكز الدفاع الإيرانية" خلال حرب الـ12 يومًا، بجدل محتدم، خصوصًا بعد توقيع اتفاق "الشراكة الإستراتيجية" مطلع العام، وقد عدّ مراقبون تحدثوا لـ"المشهد"، الاتهام بأنه لا يعكس "انهيارًا للتحالف" لكنه يبطن "أداة سياسية أكثر من كونه معطًى إستراتيجيًا".
انقسام إيراني بشأن الارتهان لموسكو
تصريحات صدر، خلال لقاء معه عبر برنامج "سينرجي" الإلكتروني، ألمحت إلى اضطلاع روسيا بمسؤولية مباشرة تجاه إسقاط طائرة الرئيس الإيراني السابق إبراهيم رئيسي، وقال: "روسيا زودت إسرائيل بمعلومات عن مراكز الدفاع الجوي في إيران"، مشيرًا إلى أنّ "هذه الحرب بيّنت أنّ التحالف الإستراتيجي مع موسكو، مجرد وهم لا قيمة له"، الأمر الذي يؤشر إلى انقسام، متكرر وتقليدي، في وجهات النظر بين أطراف النظام الإيراني بشأن حدود وطبيعة الشراكة مع موسكو كما الصين.
ولئن لم يصدر عن روسيا ردود فعل رسمية ومعلنة بشأن هذه الاتهامات، عقّبت الخارجية الإيرانية بأنّ طهران "تستند إلى نتائج التحقيقات الرسمية في تحديد أسباب سقوط مروحية رئيسي، ولا يمكن تأكيد الادعاءات والتكهنات الأخرى".
كما أوضح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، أنّ "آراء وتحليلات محمد الصدر هي مجرد رأي شخصي ولا تعكس بالضرورة المواقف الرسمية للبلاد".
وحول اتهام صدر لروسيا بنقل معلومات دفاعية لإسرائيل، قال بقائي إنّ "مثل هذا الادعاء، الذي وصفه المتحدث نفسه بأنه تحليل شخصي وليس مبنيًا على معلومات موثقة، غير صحيح".
إذًا، ثمّة انقسامات حادة وبنيوية داخل النظام الإيراني حول السياسة الخارجية، وتحديد طبيعة أو ماهية شراكاتها وتحالفاتها، الأمر الذي حدا بالمحلل السياسي الإيراني وجدان عبد الرحمن أن يصف الاتهامات بـ"شديدة الخطورة"، موضحًا أنّ صدر ليس "شخصية هامشية"، ومن ثم، حساسيتها تتمثل في أنها لم تصدر عن "شخص عادي" أو "معارض خارجي"، بل من داخل "البيت الإيراني".
ويقول عبد الرحمن لـ"المشهد"، إنّ صدر عادة ما يُصنَّف ضمن التيار المعتدل، وهو أقرب في توجهاته إلى وزير الخارجية الإيراني السابق محمد جواد ظريف، وقد سبق أن شغل مع الأخير منصب نائب وزير الخارجية للشؤون العربية والإفريقية. ويضيف: "هذا التصريح يذكّرنا بالفعل بتصريحات مماثلة لظريف أكدها في مذكراته: "كتاب الدبلوماسية"، مفادها أنّ روسيا أحد العوائق أمام تحركاته الدبلوماسية".
يتبنى هذا التيار رؤية متوجسة وحذرة من "الارتهان المفرط لموسكو وبكين"، بينما يرى ضرورة أن تحافظ إيران على توازن في علاقاتها بين الشرق والغرب. يقول عبد الرحمن.
في المقابل، فإنّ الخط الموالي لروسيا، والمكوَّن أساسًا من المحافظين والصقور، يبني خطابه على أساس أنّ موسكو "شريك في مواجهة الغرب"، وفق المصدر ذاته. لكنّ تصريحات صدر تكشف عن التشكيك في هذه الرواية و"تحرج" هذا التيار، بما يُظهر حجم الانقسام الداخلي؛ فحتى وإن لم يبرز الخلاف إلى العلن، إلا أنه أخرجه إلى السطح بشكل غير مسبوق.
وبسؤال عبد الرحمن عن الاتهام الذي وُجّه إلى صدر من قبل القضاء في طهران بأنه مسٌّ بـ"أمن العلاقات الإستراتيجية مع موسكو"، يجيب: "يعكس قلق النظام من أيّ اهتزاز في صورة التحالف. واستدعاؤه أو الضغط عليه من قبل الصقور، يُظهر أنّ التيار الموالي لروسيا ما زال هو المهيمن والمسيطر، والقادر على إسكات كل من ينتقد خطه السياسي".
علاقة تحكمها الشكوك التاريخية
يضع الباحث الروسي ومدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية ديمتري بريجع هذا الاتهام في سياق محدد، يبدأ باتفاق "الشراكة الإستراتيجية"، مرورًا بالوضع الإقليمي والدولي الذي يتسم بتعقيدات الحرب الأوكرانية، وصولًا إلى الصراع الإيراني الإسرائيلي، وتوازنات روسيا مع تل أبيب والأطراف العربية.
ويرجح بريجع أنّ ما صرح به صدر لا يعدو كونه أكثر من مجرد "أداة سياسية، داخلية وخارجية، وليس معطى إستراتيجيًا جديدًا". ويقول: "داخليًا، تبدو وسيلة لتفسير الإخفاقات الدفاعية أمام الرأي العام الإيراني بتصدير الأزمة. وخارجيًا، هي ورقة ضغط على موسكو لدفعها نحو التزامات أمنية أو سياسية أكبر مع طهران".
لهذا، فإنّ التداعيات المحتملة "محدودة" مقارنة بـ"مصالح ملحة" بين الطرفين، موضحًا لـ"المشهد" أنّ روسيا بحاجة إلى استمرار تدفق المسيّرات والذخائر الإيرانية في حربها بأوكرانيا، وإيران، بدورها، بحاجة أكثر إلى غطاء سياسي وتكنولوجي واقتصادي لمواجهة العقوبات والضغط الإسرائيلي.
كما تشير هذه الاتهامات إلى طبيعة العلاقة نفسها بين موسكو وطهران، وفق بريجع والذي يصفها بـ"شراكة ظرفية موقتة وليست تحالفًا عضويًا". فالتناقضات البنيوية موجودة منذ "حسابات" موسكو في سوريا، وكذا مصالحها مع إسرائيل والأطراف الإقليمية العربية، وذلك مقابل تطلع إيران إلى "مظلة حماية أوسع".
بالمحصلة، هذه الاتهامات ليست مؤشرًا على "انهيار الشراكة"، بل على "حدودها الطبيعية" وكذا استخدام الخطاب السياسي كـ"أداة للضغط والتفاوض".
يتفق والرأي ذاته الباحث بالمعهد الدولي للدراسات الإيرانية "رصانة"، محمود حمدي أبو القاسم، والذي يرى أنّ الجدل حول العلاقة مع روسيا، ليس مباغتًا أو عرضيًا، إنما له سوابق وسياقات عديدة، موضحًا أنّ ثمة أطرافًا إيرانية ترى بأنه بعد مساعدة طهران لروسيا بالمسيّرات والصواريخ بل وعناصر عسكرية في كييف، كان كفيلًا بدعمها في حرب الـ12 يومًا مع إسرائيل، وقد خرج هذا التصريح، على ما يبدو، من جانب التيار الذي يشكك في العلاقة مع موسكو.
ويقول حمدي أبو القاسم لـ"المشهد": "علاقة إيران مع روسيا تحكمها الشكوك التاريخية والتي تعود إلى زمن بعيد عندما اقتطعت روسيا أجزاءً من الأراضي الإيرانية". كما تصف أطراف إيرانية عدة، الشراكة مع روسيا بـ"تحالف الضرورة".
ورغم أنّ التصريح يعكس طبيعة الجدل الداخلي حول العلاقة مع روسيا، غير أنّ النظام لم يأخذه على "محمل الجد" و"غضّ الطرف" عن الاتهامات على خلفية الحاجة الملحة إلى روسيا لمواجهة الغرب وواشنطن في ما يخص القضية النووية، وفق المصدر ذاته، ويردف: "هناك تنسيق إيراني روسي في هذا الملف، كما يظهر من تحركات موسكو في مجلس الأمن لعدم تفعيل آلية الزناد، وتمديد الاتفاق النووي، بما يعطي إيران وقتًا إضافيًا بدلًا من تعرضها لضغوط قاسية وتنازلات قد تكون حتمية".
من ثم، ليس مرجحًا أن نشهد تضررًا للعلاقات تبعًا لمثل هذا التصريح، وقد سبقه مواقف وتصريحات تشكك في روسيا كشريك، لكن ظلت العلاقة تحكمها المصالح والضرورات.