شهدت الأجواء بين الهند وباكستان، واحدة من أضخم المعارك الجوية منذ الحرب العالمية الثانية، بمشاركة أكثر من 120 طائرة مقاتلة من الجانبين، انتهت بإسقاط مقاتلات هندية متطورة من طراز "رافال" و"ميغ-29"، باستخدام طائرات صينية الصنع من طراز J-10، في ما اعتُبر أول اختبار عملي للأسلحة الصينية في مواجهة مباشرة مع تقنيات غربية.
وعلى الرغم من تحفّظ الهند على تأكيد خسائرها، أكدت مصادر أميركية وقوع إصابات مباشرة لطائراتها، وهو ما دفع كثيرًا من الجيوش حول العالم، إلى دراسة الأداء القتالي للصناعات الجوية الصينية التي باتت تهدد هيمنة الأسواق الغربية على تجارة السلاح.
الصراع الهند وباكستان
وعلّق الخبير العسكري والإستراتيجي أندريه بومعشر، على الحدث، بتأكيده أنّ نقطة التحول الحقيقية في المعركة لم تكن في الطائرات نفسها بل في الصواريخ التي استُخدمت.
وأوضح في حديثه لبرنامج "المشهد الليلة" مع الإعلامية آسيا هشام، أنّ صاروخ PL-15 الصيني، بمداه الذي يتجاوز 200 كلم، لعب دورًا محوريًا حيث تمكن من إصابة أهدافه من دون أن ترصده أنظمة الرادار في طائرات الرافال التي لا تتجاوز قدرتها الرادارية 150 كلم.
وأشار بومعشر إلى أنّ هذا النمط من الاشتباك الذي يتم خارج نطاق الرؤية البصرية للطائرات (BVR)، يعكس تحوّلًا في طبيعة المعارك الجوية، ويكشف عن قصور واضح في أنظمة الدفاع الإلكتروني لدى الهند، وليس بالضرورة ضعفًا في مقاتلات الرافال نفسها.
ليست معركة "دوغ فايت"
ورفض بومعشر اختزال ما جرى بأنه تفوّق طائرة على أخرى في اشتباك تقليدي مباشر، مؤكدًا أنّ ما حدث هو انتصار لمنظومة متكاملة تجمع بين رادارات متطورة وصواريخ بعيدة المدى وتكتيكات اشتباك فعالة، نجح الباكستانيون في تنفيذها بدقة في ظل غياب تغطية جوية شاملة لدى الجانب الهندي، وعدم تفعيل بعض المنظومات الدفاعية على متن طائراتهم.
ونبه إلى ضرورة عدم التسرع في الحكم على فشل طائرة الرافال، مشيرًا إلى احتمال أن تكون الطائرات الهندية كانت في وضعية هجومية ضد أهداف أرضية، ما جعلها أكثر عرضة للهجوم، إضافة إلى غياب الدعم من طائرات الإنذار المبكّر والتشويش.
الصين في سوق السلاح
ورأى بومعشر أنّ هذه المواجهة ستدفع كثيرًا من الدول لإعادة تقييم خياراتها الدفاعية تحديدًا في آسيا، مرجحًا أن ترتفع أسهم الصين في سوق التسليح العالمي، خصوصًا أنّ أداء صواريخها قد غير ميزان القوة في معركة كبيرة، وأظهر تخلف بعض النظم الغربية عن مجاراة أنماط الاشتباك الحديثة.
وأكد أنّ هذه المعركة ستكون دافعًا لتطوير صواريخ جو-جو غربية بعيدة المدى مثل AIM-260 الأميركي لمجاراة القدرات الصينية في الاشتباك عن بعد.
وأضاف أنّ معايير النصر في المعارك الجوية الحديثة لم تعد ترتبط فقط بمناورات الطيارين، بل بمن يمتلك القدرة على الرؤية الأبعد والاستهداف الأسرع والحسم من دون الظهور.
اتفاق وقف إطلاق النار
وأمس السبت، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الهند وباكستان، ما أثار تساؤلات حول تأثير سباق التسلح بين الجارتين، خصوصًا في ظل اعتماد نيودلهي على ترسانة غربية متعددة المصادر، أبرزها الولايات المتحدة وفرنسا في مقابل اعتماد إسلام آباد بشكل شبه كامل على الدعم العسكري الصيني.
وضمن برنامج "في الواجهة" الذي يُبث على قناة ومنصة "المشهد" مع الإعلامية جمانة النونو، سلّط رئيس وحدة في المنظمة الأوروبية للسياسات، ناصر زهير، الضوء على خطورة التصعيد الأخير، مشيرًا إلى أنّ الحرب بين القوتين النوويتين لا يمكن التنبؤ بمسارها أو ضبط مسارها في إطار الأسلحة التقليدية فقط، كما حدث في الحرب الروسية الأوكرانية.
وأكد أنّ تدخل واشنطن جاء في توقيت حرج لمنع انزلاق الأمور إلى مواجهة نووية، خصوصًا مع وجود مصالح إستراتيجية للولايات المتحدة في كل من الهند وباكستان.
وأشار زهير إلى أنّ الإعلان الأميركي عن وقف القتال لم يأتِ من خلال قنوات دولية كاجتماع لمجلس الأمن، بل بشكل منفرد من ترامب، في خطوة رأى فيها البعض محاولة أميركية لاستباق تدهور الأوضاع وحماية مصالحها الاقتصادية والعسكرية في المنطقة.
وربط هذا التحرك بالمنافسة المتصاعدة بين واشنطن وبكين، موضحًا أنّ الصين تدعم باكستان في إطار مشروع "الحزام والطريق"، بينما تراهن الولايات المتحدة على الهند كركيزة لمشروعها الاقتصادي المناهض IMEC، ما يعني أنّ الصراع الهندي-الباكستاني يحمل أبعادًا أوسع من حدود البلدين.
حلف إستراتيجي بين الصين وباكستان
بدوره، أوضح الخبير العسكري والإستراتيجي اللواء صالح المعايطة، أنّ موقف الإدارة الأميركية يعكس إستراتيجية أوسع تقوم على التحكم ببؤر النزاع عالميًا من دون التدخل المباشر إلا عند تهديد مصالحها.
ولفت إلى أنّ الصين استغلت هذا التصعيد لاختبار قدراتها العسكرية ومنافسة النفوذ الغربي في سوق السلاح، خصوصًا بعد إسقاط الطائرات الهندية من طراز "رافال" الفرنسية بواسطة مقاتلات صينية، ما شكل ضربة رمزية للصناعات الدفاعية الغربية.
وأكد المعايطة أنّ أهمية باكستان في مشروع "الحزام والطريق"، جعلت منها حليفًا إستراتيجيًا لبكين، في حين تمثل الهند نقطة ارتكاز لمشروع أميركي يهدف إلى إعادة تشكيل خارطة الإمدادات العالمية، ما حوّل النزاع الحدودي إلى ساحة صراع بين قوتين دوليتين.
تدخّل أميركي سريع
وشدّد زهير على أنّ الهند لم تطلب وقف إطلاق النار من منطلق ضعف بل كانت في مسار تصعيدي، وقد بادرت بالفعل بالهجوم على الأراضي الباكستانية، إلا أنّ رد الفعل الباكستاني جاء أقوى من المتوقع، ما دفع واشنطن للتدخل السريع تجنبًا لتطور المواجهة إلى استخدام الأسلحة غير التقليدية.
وأشار إلى أنّ إخفاق الطائرات الفرنسية في الصمود، قد يدفع الهند إلى مراجعة إستراتيجيتها في شراء الأسلحة وربما الاتجاه نحو اقتناء طائرات "اف-35" الأميركية على الرغم من استمرارها في تنويع مصادر التسلح الغربية بعيدًا عن الصين.