كشفت تقارير وتحليلات سياسية عن أبعاد أعمق للغارات الجوية الأردنية التي استهدفت مناطق في محافظة السويداء السورية.
وتتجاوز هذه العمليات العسكرية مجرد مواجهة عمليات تهريب المخدرات، لتصبح رسالة ردع سياسية واضحة موجهة نحو إسرائيل، حيث تسعى عمان إلى تعزيز سيطرتها على الجنوب السوري ومنع تحول المنطقة إلى قاعدة نفوذ إسرائيلي تحت غطاء حماية الأقليات أو استغلال الفراغ الأمني.
ويعكس تقديم الأردن تقريرا استخباراتيا مفصلا إلى دمشق رغبة قوية في إغلاق الباب أمام أي محاولات انفصالية أو تدخلات خارجية، مع التأكيد على أن استعادة السيادة السورية الكاملة تمثل السبيل الوحيد لضمان استقرار الدول المجاورة.
أبوزيد: الأردن بلا أجندات خفية
وقال الخبير العسكري والإستراتيجي نضال أبو زيد إن الأردن كان واضحا في أهدافه دون أي أجندات خفية.
وأشار في تصريحات لبرنامج "مع الواجهة" الذي يُبث على قناة ومنصة "المشهد" مع الإعلامية جمانة النونو، إلى أن الأردن عانى طويلا من تهريب المخدرات عبر الحدود الجنوبية السورية، لكن هذه العمليات تطورت إلى تهديد أمني إقليمي يتجاوز الحدود الداخلية لسوريا.
واعتبر أبوزيد أن مناطق ريف السويداء الجنوبي والشرقي تحولت إلى بيئة أمنية معادية، خصوصا بعد تجارب سابقة مثل عملية الركبان في 2016 التي أسفرت عن سقوط سبعة قتلى من الجيش الأردني.
وقال "انتقل الأردن من النهج السياسي إلى العسكري، بالتنسيق مع الحكومة السورية الشرعية التي تمتلك السيادة على أراضيها".
وأوضح أن التهديد ينبع من جماعات مسلحة لا من دول إقليمية مباشرة، مشيرا إلى عملية مشتركة مع التحالف الدولي ضد الإرهاب قبل 72 ساعة من الغارات، استهدفت مواقع لتنظيم داعش في البادية السورية.
وربط ذلك بتشكل بؤر جغرافية قريبة من الزاوية الحدودية بين الأردن وسوريا والعراق، تهدد دول الجوار ككل، مشيرا إلى مؤتمر "خماسية عمان" في مارس 2025، الذي أسفر عن إنشاء غرفة عمليات مشتركة مع سوريا للحفاظ على وحدتها ضمن محيط عربي مستقر.
وأكد أبوزيد أن استقرار سوريا يرتبط ارتباطا وثيقا بأمن الأردن، مشددا على رفض أي جيب انفصالي يمد يده نحو إسرائيل.
السويداء ضد تهريب الكبتاغون
من جانبه، يتفق الناشط السياسي أدهم القاق من السويداء مع منطق هذه الرؤية، معتبرا أن إسرائيل تمثل التهديد الأكبر من خلال دعمها لبعض الجماعات في الجنوب السوري.
ووصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو بأنه من أكثر الشخصيات إرهابية، مؤكدا وقوف السويداء ضد تهريب الكبتاغون والأسلحة خارج إطار الدولة.
وأبرز القاق العلاقة التاريخية العميقة بين السويداء والأردن، منذ ثورة سلطان الأطرش والثورة العربية الكبرى في 1915-1916، حيث كانت المملكة ملاذا آمنا للدروز خلال الاحتلال الفرنسي والانقلابات في الستينيات.
ورأى في الأردن عمقا إستراتيجيا، داعيا عمان إلى أن تلعب دورا فاعلا في المصالحة داخل سوريا، مع فهم الضرر الذي يلحقه تهريب المخدرات بالمملكة.
ووصف القاق المناطق المستهدفة في الغارات الأولى مثل الشعاب والشعف، كمناطق بدوية قد تكون متورطة في إنتاج المخدرات بالتعاون مع "حزب الله" سابقا، بينما استهدفت الغارات اللاحقة مستودعات في الكفر تحتوي على أسلحة من عهد النظام السابق، وربما كانت إسرائيل قد غيرت موقفها تجاه دعم بعض الدروز.
وأكد أن وحدة سوريا هي الضمانة ضد انتقال المخدرات والإرهاب، داعيا الأردن إلى تعزيز الجهود السياسية للمصالحة وإعادة بناء المناطق المنكوبة مثل الـ33 قرية التي تعرضت للنهب.
ومع ذلك، اعترف القاق بصعوبة الوضع حيث يرفض أهالي السويداء دخول القوى الأمنية الحكومية، مطالبين بحلول حوارية.
رفض النفوذ الإسرائيلي
وفي رد على ذلك، أكد أبوزيد دعم الأردن للسوريين في السويداء كسوريين أولا، لا كدروز فقط.
وأشار إلى محاولات بعض الجماعات الدروزية القليلة التحول من الولاء لبشار الأسد إلى الاستقواء بإسرائيل، مستندا إلى تقرير صحيفة "واشنطن بوست" قبل 72 ساعة عن أموال إسرائيلية وصلت إليها، بالإضافة إلى مروحيات من إسرائيل حملت أسلحة قبل 4 أشهر إلى جماعات مثل "حكمة الهاجر" المبنية على بقايا الفرقة 25 في الكفر.
ورفض مشروع "ممر داوود" الإسرائيلي الذي يهدف إلى قضم الجنوب السوري، وعملية "سهم بيشان" التي تحمل دلالات توراتية للمنطقة الممتدة من اللجاة إلى حوران والسويداء.
وأكد القاق أن الدروز ليسوا كتلة متجانسة وأن الأغلبية وطنية وترفض الارتباط بإسرائيل، معتبرا نتانياهو "الإرهابي الأول في المنطقة".
ودعا إلى تجاوز الخلافات عبر التفاوض مع تدخل أردني قوي لدعم التيارات الوطنية في السويداء وإنهاء المعادلة الصفرية بين دمشق والمحافظة.
وشدد أبو زيد على أن الأردن حاول المسار الدبلوماسي مثل مؤتمر عمان الشهر الماضي برعاية وزير الخارجية أيمن الصفدي وبحضور مبعوث أميركي، لكن عدم استجابة الطائفة الدروزية دفع إلى الخيار العسكري.
وأكد أن الأردن عازم على حماية حدوده وأمنه الوطني وسيستمر في الرد إذا استمر التصعيد، معتبرا ذلك حقا سياديا مشروعا.