بعد مرور أكثر من 60 يومًا على الحصار الكامل الذي فرضته إسرائيل على قطاع غزة، لم تعد تصل أيّ مساعدات إنسانية إلى السكان المحاصرين، حيث لا غذاء أو دواء أو وقود.
وجعل هذا الانقطاع التام الواقع الإنساني أكثر قسوة مما كان عليه خلال أعوام الحصار السابقة، أما في مستشفيات غزة، فإنّ الأطباء والكوادر الصحية يواجهون عجزًا تامًا عن تقديم الرعاية الأساسية.
وقال المدير العام لوزارة الصحة في غزة الدكتور منير البرش، إنّ الاتصالات التي ترد إليه يوميًا أصبحت تفوق قدرته على الرد، إذ يسأله الأطباء عن بدائل غير موجودة لعلاج مرضاهم، بينما يتصل به المرضى أنفسهم ممن يعانون أمراض القلب أو الفشل الكلوي، سائلين عما يمكنهم فعله في غياب الدواء.
ويرد البرش بأسف: "لا أملك شيئًا أقوله لهم.. الكثير منهم يموتون".
حصار شامل للشهر الثالث
وتبرّر إسرائيل استمرار الحصار بعدم إطلاق سراح الأسرى المحتجزين لدى "حماس"، وتزعم أنّ غزة ما تزال تمتلك مخزونًا كافيًا من المواد الأساسية، بحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز".
إلا أنّ منظمات إنسانية ومسؤولين دوليين يؤكدون أنّ استخدام المساعدات كأداة ضغط سياسي يعدّ انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي، وأنّ الوضع الإنساني في القطاع وصل إلى مستوى خطير.
ويقول مسؤول الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة توم فليتشر: "هذا الحصار الوحشي يجب أن يرفع فورًا.. ما نشهده ظلم فادح ترك المدنيين من دون حماية".
وتحولت الحياة اليومية في غزة إلى صراع مرير من أجل البقاء، حيث أغلقت المخابز أبوابها ونفد الطحين من مخازن وكالة الأونروا، بينما وزع برنامج الأغذية العالمي آخر ما لديه من مؤن.
وتعتمد غالبية السكان الآن على مطابخ خيرية محلية، بعضها تعرّض للنهب بسبب تفاقم الجوع.
ويقضي أحمد محسن اذلي يعمل عامل بناء يبلغ من العمر 30 عاما، ساعتين يوميا في طوابير الطعام.
ويقول إنه لم يتناول اللحم أو البيض أو حتى تفاحة منذ شهور، في ظل ارتفاع جنوني للأسعار حيث بات كيس الدقيق الذي كان يباع بـ5 دولارات أصبح الآن يكلف نحو 300 دولار.
وتشير التقديرات الأممية إلى أن 91% من سكان غزة يعانون من انعدام الأمن الغذائي، أغلبهم في مراحل طارئة أو كارثية.
معركة البقاء اليومية
ومع تدهور التغذية، يتداعى النظام الطبي أيضا، حيث يقول رئيس قسم الكلى في مستشفى الشفاء الدكتور غازي اليازجي إن المرضى لم يعودوا يحصلون على غذاء أو دواء كاف، ما اضطره لتقليص جلسات الغسيل الكلوي إلى مرتين أسبوعيا على الرغم من معرفته بأن ذلك قد يؤدي إلى تراكم السموم في أجساد المرضى.
وتفيد وزارة الصحة في غزة أن 37% من الأدوية الأساسية نفدت، بينما تحذر منظمات الإغاثة من أن بعض الأصناف الحيوية مثل غاز الطهي وأدوية القلب التي أصبحت "شبه معدومة".
إلى جانب نقص الغذاء والدواء، تعاني غزة من أزمة حادة في المياه النظيفة.
وتقول بولا نافارو من منظمة "أطباء بلا حدود" إن محطات التحلية تعمل حاليا بنسبة 10% من طاقتها بعد انقطاع الكهرباء.
وتضيف أن 90% من الوقود المتوفر في القطاع بات غير قابل للوصول بسبب الأوامر العسكرية بالإخلاء.
وبحسب التقرير، فإن النتيجة هي أن معظم سكان غزة يشربون مياها مالحة أو غير صحية، ما أدى إلى تفشي أمراض مثل الإسهال واليرقان والجرب.
وفي ظل هذا الواقع القاتم، يطلق الأطباء والعاملون في المجال الإنساني نداءاتهم مجددا، مؤكدين أن وقف الحصار وإعادة تدفق المساعدات هو الحل الوحيد لتفادي انهيار إنساني شامل.
وقال اليازجي: "نحن أمام كارثة متفاقمة. إذا لم يتحرك المجتمع الدولي، سنفقد المزيد من الأرواح".