قبل أيامٍ من توجه وزير الاقتصاد والتجارة الدكتور عامر بساط إلى واشنطن للمشاركة في اجتماعات صندوق النقد الدولي، أُطلق مؤتمر "بيروت وان" الاستثماري، في خطوة وُصفت بأنها الأولى من نوعها في عهد الرئيس العماد جوزيف عون، وتهدف إلى إعادة تحريك عجلة الاستثمار واستعادة ثقة الداخل والخارج بالاقتصاد اللبناني.
المؤتمر، الذي تنظمه وزارة الاقتصاد بالتعاون مع المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، سيُعقد في 18 و19 نوفمبر المقبل، تحت شعار "الثقة المستعادة"، ليكون باكورة المؤتمرات الاستثمارية المحلية بعد سلسلة مؤتمرات الدعم التي عُقدت في باريس مطلع الألفية (باريس 1 و2 و3).
يتميّز مؤتمر "بيروت وان" بكونه صناعة لبنانية بالكامل، لا يستند إلى منحٍ أو قروضٍ دولية، بل يسعى إلى استقطاب استثماراتٍ مباشرة تُقدَّر بين 7 و8 مليارات دولار في قطاعات البنى التحتية، والخدمات، والإنتاج، والتكنولوجيا. وهو ليس بديلاً عن مؤتمرات الدعم الدولية، بل خطوة استباقية تمهّد لعودة الاهتمام الدولي بلبنان، خصوصاً في ظل المتغيرات الإقليمية بعد انتهاء الحرب في غزة وانتقال الأنظار مجدداً إلى الساحة اللبنانية.
وفي هذا الإطار، أكد رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي شارل عربيد أن الهدف من المؤتمر هو "إطلاق محركات الاستثمار في لبنان"، مشيراً إلى أن "المرحلة الحالية تشهد تقدّماً على أكثر من صعيد، سواء في الإصلاحات المالية أو في القوانين الخاصة بإعادة هيكلة القطاع المصرفي".
وشدّد على أن المؤتمر "يستهدف اللبنانيين في الداخل والاغتراب، إلى جانب المستثمرين العرب والأجانب، لإعادة بناء شراكاتٍ إستراتيجية قائمة على فرصٍ واقعية".
بوادر ثقة واستثمار
أكد وزير الاقتصاد والتجارة الدكتور عامر بساط لمنصة "المشهد" أنّ لبنان يقف اليوم أمام فرصةٍ اقتصاديةٍ جديدة، شرط أن تُترجم البوادر الإيجابية بخطواتٍ إصلاحيةٍ جدّية.
وحول آفاق الاستثمارات الأجنبية والعربية، قال بساط: "سبق أن تحدّث الوزير محمد شقير عن حراكٍ عربيٍ وأجنبيٍ في هذا الإطار، وأنا بدوري متفائل. نرى مؤشراتٍ أوليةً مشجّعة، وسنة 2025 تبدو واعدة، لكن لا بدّ من الإشارة إلى أن أي نهضةٍ استثمارية تحتاج إلى أرضيةٍ صلبة من الإصلاحات".
وأوضح أنّ من أبرز هذه الإصلاحات "إصلاح القطاع المصرفي، وتطوير قطاع الاتصالات، وتحسين البنى التحتية من طرقاتٍ وكهرباء، إضافةً إلى تعزيز الاستقرار الأمني وإعادة بناء بيئة الثقة اللازمة للاستثمار".
وأضاف: "يمكننا القول إنّ العملية الاقتصادية بدأت تسلك المسار الصحيح، وهناك تغيّرات إقليمية تفتح أمام لبنان فرصاً جديدة يجب أن نحسن التقاطها".
وعن ملف المودعين والقطاع المصرفي، قال بساط: "نواجه تحدياتٍ ومعوّقاتٍ عدّة، لكننا بدأنا فعلياً بإعداد قانون إعادة هيكلة المصارف ومعالجة الفجوة المالية. إنه ملف بالغ التعقيد سياسياً واقتصادياً وقانونياً، إلا أننا سنطرحه قريباً أمام الحكومة لإقراره".
وفي ختام حديثه، وجّه بساط رسالة إلى الأشقاء في دولة الإمارات العربية المتحدة، قائلاً: "الإماراتيون أشقاؤنا، وقد زرتُ الإمارات وألمس دوماً عمق العلاقة الأخوية معهم. وأؤكد أنّ من دون الدعم العربي، ومن دون مصر وسائر الدول العربية، لا يمكن أن ينهض الاقتصاد اللبناني".
رسالة عودة لبنان
وفي ظلّ الجمود الذي يخيّم على الاستثمارات الأجنبية في لبنان، يُطرح السؤال عمّا إذا كان مؤتمر "بيروت وان" قادراً على بث الأمل وجذب رؤوس الأموال العربية والدولية.
الخبير الاقتصادي نسيب غبريل يرى أنّ أهمية المؤتمر لا تكمن في حجم الأموال التي قد يستقطبها لبنان بشكلٍ مباشر، بل في الرسالة التي يوجّهها إلى العالم.
ويقول في حديثٍ لـ"المشهد": "المؤتمر يشكّل مؤشراً على جدّية الاقتصاد اللبناني وعودته إلى الخريطة التنافسية في المنطقة والأسواق الناشئة، من خلال تحسين مناخ الاستثمار، وتطوير بيئة الأعمال، ورفع مستوى التنافسية، وتطبيق القوانين الكفيلة بجذب الشركات والمشاريع العربية والأجنبية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا والخدمات".
ولدى سؤاله عن مدى قدرة لبنان على استقطاب استثماراتٍ عربية في ظلّ المطالبات المتكرّرة بضبط السلاح غير الشرعي وترسيخ سيادة الدولة، يوضح غبريل: "لا يمكن فصل الثقة الاقتصادية عن الثقة السياسية. سيادة الدولة وحكم القانون مسألتان أساسيتان لتحسين بيئة الاستثمار. ومن دون معالجة ملف السلاح غير الشرعي وضمان استقرارٍ سياسيٍ وأمني، لن تنجح أي مبادرةٍ اقتصاديةٍ مهما كانت نواياها حسنة".
ويضيف أنّ مؤتمر "بيروت وان" لا يُفترض أن يُقاس بنتائجه المالية الفورية، بل بما يحمله من إشارات دبلوماسية واقتصادية إيجابية إلى المجتمعين العربي والدولي، تؤكد أنّ لبنان يسعى لاستعادة موقعه على الخريطة الاقتصادية العربية والتنافسية الإقليمية عبر تنفيذ إصلاحاتٍ تدريجية في المجالات السياسية، والمالية، والمصرفية.