قامت وحدة من الجيش اللبناني تؤازرها وحدة من المخابرات صباح الثلاثاء، بتنفيذ مداهمات واسعة في منطقة البقاع، وسرعان ما تبين أنها لا تتعلق بسحب سلاح "حزب الله" بشكل مباشر، بل هدفها الأبرز هو الانتشار في مناطق اعتبرت سابقا مهملة من قبل السلطات، وهوما أدى لازدهار عمليات التهريب فيها.
عمليات الجيش اللبناني الأخيرة ركزت كذلك على النازحين السوريين، خصوصا وأن معظم المداهمات شملت منازل للنازحين قرب الحدود، إضافة إلى ملاحقة عصابات الاتجار بالمخدرات مقربة من "حزب الله"، الأمر الذي كاد أن يؤدي إلى تصعيد على الحدود السورية بعد أن فر بعض هؤلاء المطلوبين في اتجاه الحدود.
ومع انتشار الجيش اللبناني في البقاع يبقى الملف الأبرز هناك هو سلاح "حزب الله"، لا سيما وأن هذه المناطق تعتبر مناطق نفوذ الحزب وتضم ترسانة كبيرة من سلاحه، ومن هنا تأتي أهمية أي عملية أمنية في البقاع.
ضغوطات خارجية وداخلية
العمليات الأخيرة تثير المخاوف من حدوث مواجهات بين مناصري الحزب والجيش الذي يقف بين مطرقة الخارج وسندان الداخل.
فواشنطن ومعها إسرائيل تضغطان في اتجاه نزع سلاح "حزب الله"، وضبط الحدود ومنع أي نشاط عسكري خارج سلطة الجيش خصوصا في البقاع والجنوب.
هذا الضغط يرتبط بالمساعدات العسكرية ويترجم عمليا بطلب دور أمني واسع للجيش.
وفي المقابل، هناك قوى أمنية لبنانية واسعة ترفض أن يتحول الجيش إلى أداة لتنفيذ أجندات خارجية، أو أن يزج به في مواجهة "حزب الله" لما لذلك من تداعيات خطيرة على الاستقرار الداخلي للبلاد.
الخبير في الشؤون الأمنية والإستراتيجية العميد خالد حمادة يعتبر أن العقيدة الأمنية للجيش المدرجة في كل الأوامر العملية، هي حماية الحدود ومحاربة الإرهاب في الداخل.
وهذه العمليات والاشتباكات العابرة للحدود التي حصلت في الآونة الأخيرة، لا يعتقد الخبير الأمني أنها تندرج ضمن عمليات حصر السلاح، لأنه وفق خطة الجيش وحتى نهاية العام الحالي، فإن حصر وضبط السلاح ضمن منطقة جنوب الليطاني وهي والمهمة التي لم تستكمل بعد.
ويضيف الخبير الإستراتيجي، أن الجيش ومعه الحكومة أحيانا، يقول إنه سيكون هناك سياسة لاحتواء السلاح بمعنى ضمان عدم تحريكه واستخدامه.
وهي نقطة مثار جدل سياسي في لبنان، وخلاف أساسي مع إسرائيل والولايات المتحدة التي تعتبر أنه ليس هناك شيء في الاتفاق اسمه احتواء السلاح، بل نزع السلاح والإبقاء عليه فقط للأجهزة الأمنية الشرعية، وطبعا "حزب الله" والمنظمات الفلسطينية لا يمكنها أن تحمل هذا السلاح.
مناطق النفوذ
وفي البقاع يقوم الجيش بعدة عمليات لمكافحة الاتجار في المخدرات باعتبارها من مهامه الأساسية، وهذه المناطق هي مناطق نفوذ لـ"حزب الله".
ويعتبر العميد خالد حمادة أن هذه المناطق كانت مهملة نعم، ولكن "يجب ألا ننسى أن لبنان غارق في الحروب منذ 1975 وعرف انقسامات داخلية وتعرض للغزو الإسرائيلي، وبالتالي ليست هذه هي المناطق المهملة الوحيدة، كذلك في الشمال هناك إهمال على مستوى التنمية المستدامة".
وهذه المناطق تعرف نشاطا مكثفا للتهريب عابر للحدود، وهي المسألة التي يعتبرها الخبير الأمني أصبحت تهدد علاقات لبنان الخارجية، باعتبارها تتيح الفرصة لنشاط كافة أشكال التهريب ومن ضمنها تهريب الأسلحة والإرهابيين والمخدرات التي كان "يتعاون فيها "حزب الله" مع الفرقة الرابعة في سوريا ومع المخابرات السورية".
وكان يتم إرسال هذه المخدرات، حسب العميد حمادة، إلى الدول العربية سواء عبر الأردن أو العراق، مما شكل مصدر شكوى من دول عديدة.
الضغط على الجيش
يعتبر الخبير الأمني أن رئاسة الجمهورية هي التي بين هذه المطرقة والسندان بالدرجة الأولى، لأن رئيس الجمهورية التزم بخطاب القسم أن ينفذ حصرية السلاح لمؤسسات الدولة الشرعية.
ويضيف "نرى الآن محاولة التفاف على القرار خاصة في مسألة شمال الليطاني وهذا ما أدى إلى الانسداد في مسار التفاوض، وأعطى ذريعة لإسرائيل كي تنفذ عمليات في الداخل بدعوى أن الجيش لا يريد الاستمرار في هذه المهمة".
ويؤكد الخبير الإستراتيجي أن الجيش لا يتلقى هذا الضغط بالدرجة الأولى وإنما الحكومة اللبنانية ورئيس الدولة ورئيس مجلس النواب.
احتمال المواجهة
يؤكد العميد خالد حمادة أنه حتى لو ذهب الجيش اللبناني لمصادرة الأسلحة في شمال أو جنوب الليطاني، فلن يكون هناك تهديد للاستقرار الداخلي، لأن "اللبنانيين لا يريدون أن يقاتل بعضهم بعضا وعلى الدولة اللبنانية أن تنفذ ما التزمت به".
وبالتالي حسب الخبير، فإن مسألة أن يقوم الجيش بمصادرة السلاح غير الشرعي فهي مدعومة من كل الشعب اللبناني ومن غالبية مجلس النواب والحكومة.
كما أن الحديث عن إمكانية حدوث صدام مع "حزب الله"، فإنه موجود في الحكومة ومجلس النواب ويدرك تماما أنه لا يستطيع الاشتباك مع الجيش.
ويرى الخبير في الشؤون الأمنية والإستراتيجية أن المشكلة الأساسية تكمن في ارتباط "حزب الله" بإيران التي تدعم الإبقاء على سلاح الحزب، وبالتالي فإن قرار تسليم السلاح مرتبط بطهران، و"على الدولة اللبنانية أن تقوم بدورها ما دام "حزب الله" لا يملك هذا القرار".