كلما تناول النقاش مسألة تعدد الزوجات في تونس يفتح الجدل على مصراعيه. ففي بلد اختار منذ نحو نصف قرن حسم هذا الملف مقرًا قانونًا يحظر الزواج بأكثر من واحدة، عاد السجال خلال الساعات الأخيرة حول هذا الموضوع ليطلّ برأسه لكن من قلب البرلمان هذه المرة.
وفي تدخل ناري بحضور وزيرة المرأة التونسية هاجم النائب التونسي عبد الستار الزارعي مجلة الأحوال التونسية، مطالبًا بإعادة النظر في قانون منع تعدد الزوجات، النائب الذي أثار تصريحه جدلاً كبيرًا في البلد حمّل هذا القانون مسؤولية تدهور العلاقات الأسرية، ورأى أن رفع الحظر والذهاب نحو السماح بالتعدد فيه حماية للمرأة والأسرة على حد السواء.
خط أحمر
تصريح الزارعي وكما كان منتظرًا لاقى تفاعلًا واسعًا وانتشر مثل الهشيم في النار حيث سارعت الأصوات الحقوقية والنسوية وحتى الشعبية للتنديد به، مؤكدة أنه يفتح النقاش في قضية منتهية حسمها التونسيون قانونًا وثقافة.
انتقادات لاذعة لتصريحات الزارعي بدأت من تحت قبلة البرلمان حيث عبرت وزيرة المرأة أسماء الجابري في رد قويّ لها عن استغرابها من طرح هذا الموضوع تحت قبة المجلس، مؤكدة أنّ " حقوق المرأة ومكتسباتها في تونس لا تراجع عنها" ومشدّدة على أنها "خط أحمر لا يمكن بأيّ حال من الأحوال تجاوزه".
المواقف الغاضبة داخل قبة البرمان جاءت أيضا من بعض النواب الذين اعتبروا أن تصريحات زميلهم تمس من حقوق النساء في تونس وذهب الأمر لحد إعلان النائب محمد اليحياوي استقالته من كتلة الأمانة والعمل التي ينتمي لها الزارعي، معتبرًا أن ما قاله لايمثله وأنّ هذا النقاش غير مقبول دستوريًا ولا قانونيًا ويمسّ من كرامة نساء تونس.
مغالطات
من جهتها تساءلت رئيس اتحاد المرأة راضية الجربي عن أسباب طرح هذا الموضوع للنقاش في هذا التوقيت بالذات.
وأضافت في تصريح لمنصة "المشهد": هل مشاكل الشباب التونسي والأسرة التونسية هي تعدد الزوجات أم البطالة والتشغيل والنقل وغلاء المعيشة؟ واعتبرت أن طرح هذا الموضوع مخجل في هذا التوقيت، مؤكدة أن مثل هذه التصريحات "مقلقة" خصوصًا وأنها تصدر عن نائب.
ولا تنكر الجربي وجود نقائص في مجلة الأحوال الشخصية لكنها رأت أن اختزالها في مسألة التعدد مردود عليه ومغالطة كبيرة لأنّ الأرقام والإحصائيات تؤكد أن أكبر سبب للطلاق في تونس هو السبب الاقتصادي.
واعتبرت أن تونس اختارت المدنية جوهرًا تقوم عليه الدولة التونسية، وذلك عبر قوانينها المتقدمة التي تفتخر بها.
ووفق إحصائيات نشرها المعهد الوطني للإحصاء (حكومي) في ديسمبر 2024، بلغت حالات الطلاق في تونس 14 ألف حالة سنوياً.
ووفق إحصائيات لوزارة العدل التونسية فإن أغلب حالات الطلاق كانت بالتراضي بين الزوجين.
"لست نادماً"
ورغم الهجوم الكبير الذي تعرض له عقب هذا التصريح حول مسألة التعدد قال الزارعي لـ"المشهد" إنه متمسك برأيه وأشار إلى أنه كان يتحدث باسم جزء من التونسيين موضحًا: "لست نادمًا بسبب ما قلته، هناك شق كبير من التونسيين يفكرون مثلي وأنا كانت لي الجرأة على طرح هذا الموضوع للنقاش".
وتابع مؤكدًا أن مجلة الأحوال الشخصية ليست نصًا مقدسًا لا يمكن المساس به أو تعديله وقال في هذا السياق:" عندما يتضح أن هناك حاجة لتعديل أيّ قانون فيجب القيام بذلك" وأضاف: "اليوم أعتقد أننا بحاجة لإحقاق العدالة بين الرجل والمرأة".
ويقول المتحدث إن الرجل التونسي مظلوم ومقيد بالقوانين التي لا تحترم مكانته والتي يرى أنها أفقدته دوره في المجتمع وفي الأسرة خصوصًا.
كما شدّد على أن هدفه من طرح ملف التعدد للنقاش ليس دينيًا مثلما يحاول البعض الترويج له وقال:" لست متحزبًا ولا أتحدث من منطلق إيديولوجي كل ما يهمني هو مصلحة الأسرة وتماسكها في وقت باتت فيه تعاني من الكثير من المشاكل بسبب قوانين حان الوقت لمراجعتها وتعديلها".
ويقدر الزارعي أن تعدد الزوجات يحمي المرأة والأسرة على حد السواء قائلًا: "علينا أن نقرأ جيدًا كل المعطيات الخاصّة بقضايا النفقة والطلاق ونطلق صيحة فزع بسبب الارتفاع الكبير لها".
قوانين متقدمة
ويحظر القانون تعدد الزوجات ويعاقب وفقًا للفصل 18 من مجلة الأحوال الشخصية كل من يتزوج ثانية دون إنهاء الزواج الأول بالسجن لمدة عام كامل مع غرامة مالية.
وتحظى المرأة في تونس بوضع حقوقي فريد من نوعه في العالم العربي بفضل "مجلة (قانون) الأحوال الشخصية"، التي أصدرها سنة 1956 الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة.
وسحبت المجلة التي لا يزال معمولاً بها، القوامة من الرجل وجرمت الزواج العرفي وإكراه الفتاة على الزواج من قبل وليّ أمرها، وتعدّد الزوجات، وجعلت الطلاق بيد القضاء بعدما كان بيد الرجل ينطق به شفوياً متى يشاء.
ومنذ الاستقلال تم سنّ العديد من التشريعات التي حصنت حقوق النساء وباتت مفخرة لهنّ ما سمح للمرأة بأن تكون شريكًا للرجل في بناء المجتمع ويجرم القانون التونسي التمييز بين المرأة والرجل.
معركة محسومة
وعلى مواقع التواصل الاجتماعي تباينت التفاعلات مع تصريحات الزارعي وفي حين اعتبر شق من المعلقين أن النائب التونسي مصيب في طرحه لهذا النقاش، اتجهت أغلب التعليقات نحو انتقاد ما قاله بأسلوب لاذع وساخر في الآن نفسه.
شقٌ واسعٌ من المعلقين أغلبهم من الرجال رأى أنّ النائب التونسي يعيد فتح" معركة وهمية" تم حسمها منذ أكثر من 5 عقود.
وأصدر مرصد الدفاع عن مدنية الدولة بياناً ندّد فيه بتصريحات الزارعي داعيًا إلى "الوقوف بكل حزم في وجه هذه الأصوات التي وصفها بالرجعية والخطيرة"، معتبرًا أنّ "مثل هذه المواقف تمثل إساءة للوطن وللشعب التونسي بأكمله".
كما ربط بينها وبين ما حدث قبل أشهر بدعوة امرأة إيرانية لإلقاء محاضرة في تونس حول تعدد الزوجات في إيران، محذراً من أن تكون هذه التصريحات: "محاولة لجسّ نبض الشارع التونسي أو خطوة جديدة ضمن حملة يائسة تستهدف العودة إلى ما قبل مجلة الأحوال الشخصية".