إثر تقدّم رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو بطلب عفو رسمي إلى رئيس الدولة إسحاق هرتسوغ لإنهاء محاكماته بتهم فساد، فإن احتمالات قبول الطلب الذي سيكون "حدثًا استثنائيًّا" وفق مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، يقع داخل دائرة صعبة من "موازنة الضغوط السياسية، الرأي العام، والمخاطر القانونية والدستورية".
وعمل الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي سبق وبعث إلى هرتسوغ بـ"طلب رسمي" للعفو عن نتانياهو، على تشكيل "البيئة الاجتماعية والسياسية" المواتية لقبول العفو، بينما تشترط المعارضة، الاعتراف بـ"الذنب" والانسحاب من الحياة السياسية، وفق المصادر ذاتها.
اشتراطات العفو
وكان الرئيس الإسرائيلي قد صرّح بأنه سيتعاطى بـ"طريقة سليمة ودقيقة" مع طلب العفو الذي قدّمه نتانياهو، لافتًا إلى أن "مصلحة الدولة والمجتمع الإسرائيلي ستكون المعيار الوحيد في قراري".
وبحسب القناة الـ13 الإسرائيلية، فإن التقديرات تميل إلى احتمال قبول الرئيس هرتسوغ طلب العفو في مقابل قبول نتانياهو، الذي ما زال يرفض اعتزال الحياة السياسية بينما لم يقدم اعترافًا بـ"الذنب"، إجراء انتخابات مبكرة.
كما أن تأييد 54% من المشاركين في الاستطلاع الذي أعدّه معهد "دايركت بولس" لقياس اتجاهات الرأي العام، لقرار العفو عن نتانياهو، مقابل رفض 45%، يكشف عن حجم الاستقطاب الداخلي في إسرائيل.
فيما تباينت مواقف المشاركين وفق الاستطلاع ذاته في مسألتين رئيستين، أولهما، اشتراط الاعتراف بالذنب، حيث أيّد ذلك 48%، بينما عارضه نحو 49%، ووقفت نسبة 3% مترددة من دون رأي نهائي.
وثانيهما، اعتزال العمل السياسي، وقد اصطف 47% من المشاركين معه، بينما رفضه نحو 50%، وظلت نسبة 3% من دون موقف حاسم.
تداعيات مهمة
في حديثه لـ"المشهد"، يقول الباحث والمحلل السياسي الدكتور كمال الزغول إن نتانياهو تقدّم رسميًا بطلب عفو إلى إسحاق هرتسوغ، وذلك في محاولة لإنهاء المحاكمات المرفوعة ضده بتهم فساد. لكن مكتب الرئيس قال إن الطلب "استثنائي وله تداعيات مهمة".
ويشير الزغول إلى أنه في الواقع القانوني، يتمتع الرئيس بصلاحية منح العفو، حتى إذا كانت المحاكمات لم تنتهِ بعد، بالرغم من أن مثل هذا العفو قبل صدور حكم يُعتبر مثيرًا للجدل ويُصنّف ضمن الحوادث "الاستثنائية". ويردف: "عادة في النظام القضائي بإسرائيل، يُمنح العفو بعد صدور حكم قضائي نهائي، وليس أثناء المحاكمة. ومنحه يُنظر إليه من قبل خبراء قانونيين بوصفه مخالفة لمبدأ سيادة القانون، بالإضافة إلى تدخل خارجي من قبل ترامب".
كما أن المعارضة الإسرائيلية، وأبرزها حزب الديمقراطيين، اشترطت الاعتراف بـ"الذنب"، وانسحاب نتانياهو من الحياة السياسية قبل التفكير بالحصول على العفو، وفق ما يقول الباحث والمحلل السياسي. وهنا تجدر الإشارة إلى نقطة رئيسة، إذ إن "منح العفو لرئيس حكومة فعلي وغير مستقيل وعلى رأس عمله يُعتبر سابقة خطيرة في القضاء الإسرائيلي، ومن ثم، تصبح المسألة جدلية وتثير استقطابات عديدة في إسرائيل".
توازنات دقيقة
وبهذا فإن القرار بيد رئيس الدولة يحتاج إلى موازنة "دقيقة" بين "ضغط سياسي، رأي عام، والمخاطر القانونية الدستورية المترتبة على ذلك"، بحسب ما يشير الزغول، والذي يخلص إلى أن مسألة العفو تعتمد على تكوّن "البيئة الاجتماعية والسياسية الملائمة لقبوله، وهذه البيئة يعمل عليها كل من ترامب ونتانياهو. لكن الشارع الإسرائيلي لن يقتنع إلا إذا ظهرت نتائج ملموسة تفيد إسرائيل".
ويختتم حديثه قائلًا: "نحن لا نزال في مرحلة البداية من تهيئة الأوضاع السياسية والاجتماعية لقبول العفو، وقد تحدث مقايضات بين الحكومة والمعارضة بما يخدم المصلحة العامة لإسرائيل. بالتالي، سنشهد نقاشات وجدلاً واسعًا، لكن القرار النهائي يبقى بيد الرئيس الإسرائيلي. من ثم، هناك احتمالان: إما أن يستمر نتانياهو في إدارة الأوضاع الداخلية والخارجية بشكل قد يكون مدمرًا، أو يحصل على العفو، ويتم تنظيم انتخابات يمكنه من خلالها العودة إلى الحكم".
حلحلة للأزمة أم ترحيل لها؟
من جهتها، ترى الباحثة في مركز شمس للاستشارات والبحوث الإستراتيجية نشوى عبد النبي أنه على المستوى القانوني تبدو "فرصة العفو ضئيلة جدًا؛ لأن منح العفو قبل الإدانة يخالف الممارسة القضائية المعتادة، وقد يعتبر ضربة للمبادئ القضائية وسيادة القانون". لكن من الناحية السياسية، إذا "ضغطت قوى اليمين، وكذلك الدعم الخارجي، فربما تحدث استثنائات، خصوصًا إذا كانت الظروف الأمنية والإقليمية تجعل القيادة ترى في استمرار الحكومة ضرورة".
وتشير عبد النبي في حديثها لـ"المشهد"، إلى أنه منح العفو سيعمق الانقسام في الداخل الإسرائيلي، حيث إن "قطاعات متفاوتة من الإسرائيليين ترى أن قبول العفو من دون محاكمة عادلة يعني القفز فوق القانون، بينما خطوة العفو قد ترضي ناخبي اليمين، وتوظف لدعم نتانياهو ولملمة شتات قاعدته الشعبية".
أما على الصعيد الخارجي، خصوصًا في ظل الصراع بغزة والتوتر الإقليمي إلى جانب الأوضاع الأمنية المأزومة، تقول الباحثة بمركز شمس للاستشارات والبحوث الإستراتيجية إن "الحكومة بحاجة لاستقرار"، وتردف: "إذا منح العفو وأعيد تركيز السلطة حول نتانياهو، قد تحاول الحكومة استغلال ذلك لتسريع قرارات سياسية أو أمنية محددة".
وترجح أن لا يكون قرار العفو في حال حدوثه بداية "حلحلة حقيقية" للأزمة، إنما "ترحيل أو تأجيل لها"، وتقول عبد النبي إنه "قد يمر العفو وسط ضغوط وتفاهمات، خصوصًا من قوى اليمين، لكن ذلك سيترك جرحا في مؤسسات الحكم والقضاء، وقد يؤدي إلى تصعيد احتجاجات أو اندلاع مقاومة ومعارضة عنيفة داخل بعض الأوساط السياسية. وما يعتبر حلحلة حقيقية هو بناء مصالحة سياسية تشمل إصلاحات قضائية، ضمانات للعدالة، والتزام سلطات الدولة بالقانون أمام الجميع وليس إعفاءً انتقائيًّا".