في خطوة تحمل دلالات سياسية عميقة، أطلق رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، تصريحًا مفصليًا خيّر فيه حاملي السلاح بين الانخراط في المؤسسات الأمنية الرسمية، أو الانتقال إلى العمل السياسي وفقًا للأطر الدستورية، ما وصفه مراقبون بأنه يعكس توجهًا حكوميًا نحو إعادة ضبط العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة، إلا أنه في الوقت ذاته يُثير جملة تساؤلات حول آليات التنفيذ ومدى قدرة الحكومة على تغيير المشهد السياسي العراقي.
وجاء تصريح السوداني بالتزامن مع تعيين رجل الأعمال الأميركي العراقي مارك سافايا مبعوثًا خاصًا للرئيس ترامب في البلاد، في إشارة واضحة إلى عودة العراق إلى الأجندة السياسية الأميركية خلال المرحلة المقبلة.
فيما طالب وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو، خلال اتصال هاتفي مع السوداني بضرورة الإسراع في نزع سلاح الفصائل المسلحة الموالية لإيران في البلاد. ما وصفه مراقبون بأنه عملية ضغط أميركية عالية المستوى على الحكومة العراقية.
ضغوط أميركية
وفي هذا الإطار، يقول المحلل السياسي مكرم القيسي لمنصة "المشهد"، إنه بالتأكيد الحكومة العراقية تتعرض لضغوط أميركية في ما يخص ملف الفصائل المسلحة، ما دفع السوداني لإطلاق هذه التصريحات، كما لاحظنا مؤخرًا أنّ واشنطن بدأت تنشط سياسيًا في العراق، خصوصًا بعد تعيين مبعوث خاص للرئيس الأميركي، والمطالبات الأميركية المتجددة بضرورة إنهاء حالة السلاح المنفلت، ووصف الفصائل العراقية المسلحة من خلال التصريحات الرسمية الأميركية بأنها خطر على مستقبل البلاد.
ويرى القيسي، أنّ حصر السلاح بيد الدولة ودمج الفصائل مع الأجهزة الأمنية أمر جيد، لكن هل ستوافق إيران على هذه الخطوة؟ ما سيؤدي إلى خسارتها لنفوذها في العراق وسيطرتها على الفصائل المسلحة التي ستلتحق بمؤسسات الدولة وستصبح جزءًا من الجيش العراقي.
وفي ما يتعلق بموقف الفصائل المسلحة من تصريحات السوداني، يجيب القيسي:
- كلا الخيارين يُعتبر جيدًا بالنسبة للفصائل المسلحة، جزء كبير منها سيجد من هذين الخيارين حلًا مناسبًا لوضعه الحالي، خصوصًا أنّ قضيّة غزة تم حلها بشكل كامل، ومشروع المقاومة أصبح مستهلكًا ولا يوجد أيّ حجج لبقائه، لذلك ستجد الفصائل المسلحة من الانخراط في العملية السياسية والأجهزة الأمنية، حلًا مناسبًا لها.
أما في حال رفضها يقول القيسي: "أظن أننا سنشهد إما تدخّل من الأجهزة الأمنية العراقية أو تدخّل خارجي بسلاح الجو الأميركي الإسرائيلي وقصف مواقعهم، ما سيعقد المشهد أكثر، خصوصًا إذا دخلت طهران على الخط العسكري، باعتبار أنّ الفصائل العراقية جزء من محور إيران في المنطقة".
وفي سياق متصل، يقول الباحث في الشأن السياسي وائل الركابي، إنها ليست المرة الأولى التي يطالب فيها السوداني الفصائل المسلحة بتسليم السلاح، إلا أنّ التصريح الأخير ينسجم مع تعيين ترامب لمبعوث خاص له في العراق، بالتالي إنه يرسل رسائل طمأنة لواشنطن والمحيط الإقليمي، لكن في الحقيقة مسألة تسليم السلاح تم الاتفاق عليها ما بين الفصائل والحكومة العراقية، وهي مرهونة بخروج القوات الأميركية من العراق، حتى ينتفي سبب وجود هذا السلاح لدى الفصائل كطرف مقاوم ورافض للاحتلال.
كما أنّ هنالك تواصلًا مستمرًا بين السوداني وقادة الفصائل وكل الأطراف السياسية التي لها أجنحة عسكرية، أما الحشد الشعبي فهو جزء من المؤسسة الأمنية القادرة على الدفاع عن البلاد واستيعاب الأسلحة في حال قررت الفصائل تسليمها.
آليات التنفيذ
وعلى الرغم من أنّ السوداني تحدث بشكل واضح خلال لقائه بعدد من الصحفيين، عن خيارات الفصائل المسلحة، إلا أنه لم يشرح تفاصيل وآليات تطبيق هذه الخيارات، كما لم يطرح جدولًا زمنيًا أو معايير معلنة للدمج والتحوّل، عن ذلك يقول الفريق الركن المتقاعد جليل خلف المحمداوي، لا بد للدولة العراقية أن يكون لها قائد عام واحد للقوات المسلحة، وألا تكون مشتتة بين فصائل مسلحة وأحزاب تتبع لأجندات خارجية، بالتالي هذا حق مشروع للدولة العراقية، وهو مطلب دولي أميركي، يجب أن تختفي الدولة العميقة (شخصيات سياسية خلف الكواليس تؤثر بالقرار السياسي) في العراق ولا بد من حصر السلاح بيد الدولة.
كما أنّ الدولة العراقية بحسب المحمداوي، لديها إمكانيات نزع السلاح، سواء الطائرات أو الدبابات إضافة إلى الجيش العراقي وقوات مكافحة الإرهاب، لكنّ الحكومة العراقية تطمح أن يكون الحل سلميًا من دون إراقة قطرة دم واحدة، وعلى المستوى المؤسساتي يمكن للدولة العراقية تفكيك سلاح الفصائل باستلام السلاح الثقيل بداية ثم المتوسط، بعدها إعداد قوائم بأسماء حاملي السلاح وأعمارهم، وفرزهم بحسب أعمارهم إلى المؤسسات الأمنية، كما يمكن للجيش العراقي استيعاب الكثير من حَملة السلاح، الذين سينخرطون في تدريبات عسكرية رسمية لخدمة وطنهم بعيدًا عن أيّ أجندات خارجية.
ورغم أنّ تصريحات السوداني لاقت تأييدًا واسعًا على مستوى الشخصيات السياسية العراقية، إلا أنّ واقع الشارع العراقي ما زال مختلفًا، خصوصًا بعد اغتيال عضو مجلس محافظة بغداد صفاء المشهداني الأسبوع الماضي، واستمرار النزعات العشائرية المسلحة، وصولًا إلى حادثة الدورة في 27 يوليو الماضي، التي أسفرت عن قتلى وجرحى نتيجة اشتباك مسلح بين جهات أمنية وفصائل مسلحة.
وفي هذا الإطار، يقول الكاتب والصحفي منتظر ناصر، إنّ الشارع العراقي لا يكترث لتصريحات السوداني، لأنّ معظم العراقيين يدركون أنّ الفصائل المسلحة تمتلك قوة نافذة على الأرض، ويمكنهم التماس نفوذها بشكل مباشر في حياتهم اليومية، هذه الفصائل تفرض وجودها بالقوة على العراقيين، لا يمكن التخلص منها إلا بالقوة، أي عبر الدخول بمواجهة علنية لحسم الصراع لصالح الدولة، هذا ما يعجز عنه السوداني.
ويرى ناصر أنّ السوداني من خلال هذه التصريحات يرسل رسالتين الأولى للخارج لتحسين صورته قبيل الانتخابات أمام المجتمع الدولي خصوصًا اللاعب الأميركي، أما الرسالة الثانية فهي للداخل مقسمة إلى جزأين، الأول يخاطب فيه السوداني الناخب العراقي، يقول له أنا الرجل القوي الذي أمثّل الدولة المدنية، أما الجزء الثاني فيخاطب فيه السوداني الفصائل المسلحة، ويخبرهم بأنّ المجتمع الدولي لم يعد يقبل بوجودكم وعليكم الانصياع للقرار الدولي.