شهدت بعض مناطق الغرب الجزائري مؤخرا تذبذبا في توزيع المياه الصالحة للشرب، حيث شهدت محافظة تيارت التي تقع على بعد 280 كيلومتراً جنوب غربي الجزائر احتجاجات شعبية وإغلاقا للطرقات بسبب أزمة الجفاف.
كان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قد أمر الحكومة بوضع برنامج استعجالي واستثنائي لحل مشكلة تذبذب تزويد سكان تيارت بالماء مع إشراك المجتمع المدني ومنتخبي المحافظة في وضع هذا البرنامج، على أن يشمل هذا الأخير كل المناطق المعرضة للشح المائي، وتشمل العديد من المدن والمحافظات بغلاف مالي يفوق 27 مليار دينار جزائري.
يأتي ذلك وسط تساؤلات عن الإجراءات المتخذة لتنفيذ هذا المخطط؟ وماذا عن مشاريع تحلية مياه البحر؟ وكيف يمكن للجزائر أن تواجه أزمة الجفاف في ظل التغيرات المناخية الحاصلة؟
برامج استعجالية
أعلن وزير الري الجزائري طه دربال من تيارت عن تخصيص أكثر من 200 مليون دولار أميركي لتنفيذ مشاريع استعجالية لفائدة المناطق المعرضة للشح المائي عبر البلاد.
وأوضح الوزير أنه "تم الشروع الفوري في تنفيذ المشاريع المقترحة التي تشمل آبارا وأماكن للتخزين وأخرى لحشد الموارد المائية على ألا يتعدى وقت إنجازها 4 أشهر".
وقال المسؤول الأول لقطاع الري في البلاد، خلال إشرافه على عملية وضع حيز الخدمة للمشروع إن "وضعية تزويد سكان مدينة تيارت بالماء ستتحسن من خلال مشروع سيوفر 10 آلاف متر مكعب يوميا لترتفع الكمية الإجمالية إلى 34 ألف متر مكعب بفضل الإجراءات الميدانية المتخذة، من بينها دخول آبار جديدة حيز الاستغلال، إضافة إلى حشد كميات أخرى من آبار فلاحية وصناعية وذلك بفضل هبة تضامنية".
كما أعلن وزير الداخلية الجزائري إبراهيم مراد، خلال زيارته لمحافظة تيارت عن تجنيد أكثر من 100 شاحنة ذات صهريج من بينها 11 تابعة للحماية المدنية و10 أخرى استقدمت من محافظة الجزائر العاصمة و11 من محافظتي مستغانم وتيسمسيلت إضافة إلى شاحنات تابعة لمحافظات أخرى على غرار الجلفة والبيض وغيرهما.
وأمر بذات المناسبة السلطات المحلية بحسن استغلال هذه الشاحنات بالتعاون والشراكة مع لجان الأحياء والجمعيات بما يضمن تزويد جميع السكان بهذه المادة الحيوية بعدل وباستمرار في انتظار استلام المشاريع في الأيام القليلة المقبلة.
حلول جذرية
من جانب آخر، يرى الخبير في الأمن المائي الدكتور سمير يحياوي في حديث لمنصة "المشهد" أن الجزائر تعمل حاليا للحد من أزمة المياه بإنجاز 5 سدود يبلغ مجموع طاقتها 30 مليون متر مكعب في مناطق متفرقة من البلاد، وضمن هذا السياق يعدد مجموعة من المؤشرات للحد من أزمة الجفاف على المدى البعيد:
- يجب العمل على تشييد السدود بمختلف مناطق البلاد، خصوصا في المناطق الشرقية التي يشهد بعضها تساقط أكثر من 1400 ملم من الأمطار سنويا.
- الجزائر تملك حاليا 14 محطة لتحلية مياه البحر بطاقة إنتاج تقدّر بـ 1.5 مليون متر مكعب في اليوم.
- استحداث شُعب خصوصا في المعاهد والجامعات وخصوصا بهذه المجالات، لتخريج دفعات من المهندسين تعمل في المجال.
- إطلاق مشاريع لإنجاز 5 محطات جديدة في إطار البرنامج التكميلي الخاص بتحلية مياه البحر في كل من المحافظات الساحلية (وهران وتيبازة وبومرداس وبجاية والطارف) وسيتم استلامها بحلول نهاية 2024.
وتشير المعطيات أن مخزون المياه الجوفية في الجزائر يعادل 7.5 مليارات متر مكعب، بنسبة استعمال تتراوح سنويا بين 51% إلى 52%، حيث تتركز 2.5 مليار متر مكعب في الشمال، في حين يقدّر مخزون المياه بالجنوب بنحو 5 مليارات متر مكعب.
نتائج البرنامج المتعلق بعملية تحلية المياه مهمة جدا في الوقت الراهن ومستقبلا، حيث لم تكن الجزائر تعرفها قبل 20 عاما، بينما يتجاوز الإنتاج اليومي حاليا من المياه المحلاة أكثر من مليوني متر مكعب، يستفيد منها ما يفوق 17% من السكان.
سياسة وطنية للمياه
وفيما يتعلق بالاستغلال الأمثل للموارد المائية في مختلف المناطق بالجزائر، يرى عضو معهد مياه البحر الأبيض المتوسط والخبير الدولي في المياه أحمد كتاب، أن الموارد المائية المتجددة في الجزائر تبلغ حاليا 13.2 مليار متر مكعب فقط في السنة لعدد سكان قدر بـ 46.6 مليون نسمة في عام 2023، ما يعني أن حصة الفرد الواحد من المياه تبلغ 280 متر مكعب للفرد سنويا وهو أقل بكثير من 1000 متر مكعب الموصى بها من قبل الهيئات الدولية.
ولمواجهة ذلك، أشار كتاب في حديث مع "المشهد" إلى أن هذه العملية ترتبط بمجموعة من العوامل:
- إقامة إصلاحات عميقة في قطاع الموارد المائية، من خلال سنّ قانون مياه جديد، وإنشاء سلطة ضبط ومجلس وطني للأمن المائي تحلق بوصاية رئاسة الجمهورية الجزائرية.
- مراجعة شاملة مهام وصلاحيات شركات المياه، (خسائر شبكات مياه الشرب تتراوح ما بين 40% إلى 50%).
- وضع إستراتيجية ورؤية جديدة للفترة 2030/2050 تأخذ بعين الاعتبار إمكانات البلاد والخبرات والموارد المادية والبشرية.
- "تحلية مياه البحر" تعد الحل الأمثل، لأن المياه السطحية أصبحت شحيحة، والبلاد تزخر بكل الإمكانات اللازمة، منها شريط ساحلي يمتد لأكثر من 1200 كيلو متر.