تتصاعد التوترات الأمنية في العاصمة الليبية طرابلس مع زيادة الحشد العسكري من قبل حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، لمواجهة "قوة الردع" والفصائل المسلحة التابعة لها، مما ينذر باندلاع حرب أهلية في المدينة.
وخلال الساعات الماضية وصلت نحو 1000 آلية عسكرية ما بين مصفحات ومدرعات وناقلات جنود من مدينة مصراتة إلى طرابلس مع قرب انتهاء المهلة التي منحتها قوة فرض القانون التابعة لوزارة الدفاع في حكومة الوحدة لـ"قوة الردع" لتسليم المطلوب والمجرمين الفارين المنتمين لجهاز "دعم الاستقرار".
ويحذّر مراقبون من أن اندلاع مواجهات في العاصمة الليبية سيكون ضحيته الأولى المدنيين، كما سيؤدي إلى انهيار العملية السياسية الهشة بالفعل.
صراع دموي مسلح
ويعتقد أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية ببنغازي أحمد المهداوي، أن تحشيد الأرتال العسكرية المسلحة التابعة لمليشيات مصراته وتوجهها للعاصمة طرابلس ينذر بصراع مسلح دموي بين الميلشيات المسلحة.
وذكر المهداوي في حديثه مع منصة "المشهد" أن هدف الدبيبة هو الاستحواذ على منافذ القوة بمفرده لكسب ورقه تفاوضية له في المرحلة المقبلة لضمان بقائه في السلطة. وقال "قد أصبحت هذه الحرب تحمل صبغه جهويه مناطقية قد يرى البعض أن مدينه مصراته تحارب في مدينه طرابلس الأمر الذي سيقود إلى حرب أهلية بين المدينتين".
وأشار إلى أن هناك فراغًا وهشاشة أمنيه واضحة بسبب ارتهان حكومة الدبيبة ومن قبلها الوفاق للميلشيات المسلحة والتي اعتادت الحصول على الأموال من تلك الحكومات وفي ظل الترتيبات المالية الجديدة وتغيير محافظ البنك المركزي أدى إلى تجفيف منابع الأموال التي كانت حكومة الدبيبة تغدق بها على هذه المليشيات مما دفعها للتمرد ومحاولة البحث عن مصادر تمويل بديله وهو الأمر الذي اعتبره الدبيبه تهديدًا مباشرًا لبقائه في السلطة، بحسب وصفه.
وأكد أن الذي يدفع الثمن هذه الاشتباكات هو المواطن المدني من أرواحه وممتلكاته في ظل صمت البعثة الأممية والمجتمع الدولي.
كانت طرابلس شهدت في منتصف مايو اشتباكات عنيفة بين قوات تابعة للدبيبه و"قوة الردع" و"جهاز دعم الاستقرار"، ونجح رئيس حكومة الوحدة الوطنية في التخلص من المجموعة الأخيرة بعد قتل قائدها عبد الغني الككلي، وشهرته "غنيوة الككلي".
وجاءت بعد أن أعلن الدبيبة رغبته في تفكيك جميع الجماعات المسلحة غير النظامية في العاصمة، من أجل إعادة سيطرة الدولة على المؤسسات الرسمية. ولم يتبق في العاصمة طرابلس قوة قادرة على منافسة نفود حكومة الدبيبة سوى "جهاز الردع".
الانفجار الكامل
من جانبه، يرى مدير معهد "صادق" للسياسة العامة في طرابلس أنس القماطي، أن هناك مفاوضات جارية في معيتيقة بين الردع والدبيبة، والهدف منها تجنّب الانفجار الكامل. لكن مجرد الجلوس للتفاوض يوضح هشاشة الوضع، وأن العاصمة تقف على حافة مواجهة كبيرة.
وأكد القماطي في حديثه لـ"المشهد" أن احتمال اندلاع حرب أهلية في ليبيا قائم. وأوضح أن قوات الجيش الليبي بقيادة خليفة حتفر محتشدة في الشويرف وهو ممر إمداد إستراتيجي، ما يرفع خطر حرب شوارع معقدة.
و"قوة الردع" هي فصيل مسلح أنشئ عام 2012 في أعقاب سقوط نظام العقيد معمر القذافي، وكان عبارة عن قوة مسلحة تتبع للمجلس العسكري ببلدية سوق الجمعة في طرابلس. وفي عام 2018، تم حلها من قبل حكومة الوفاق الوطنية، وتغيير اسمها إلى "جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة".
ومنحت الحكومة الجهاز صلاحيات واسعة مثل إعطاء أعضائها صفة مأموري الضبطية القضائية، وحق مصادرة الأموال والأملاك المضبوطة.
تتخذ القوة من قاعدة معيتيقة شمالي طرابلس مقرًا له، وتسيطر على المطار المدني الوحيد في العاصمة والقاعدة الجوية والمستشفى العسكري، وعدد من المؤسسات الحيوية في طرابلس.
وتأتي هذه التوترات بعد أسبوع من إعلان الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا هانا تيتيه، تقديم خارطة طريق جديدة إلى مجلس الأمن الدولي لحل الأزمة.
مستقبل غامض
وذكرت المبعوثة الأممية أن خارطة الطريق، تدعو للتفاوض على تشكيل حكومة جديدة تحظى بقبول وطني وشعبي، كما تطالب بإطلاق حوار وطني لبناء توافق حول قضايا الاقتصاد والأمن. وأضافت أنه سيجري تنفيذ خارطة الطريق بالتعاون مع المؤسسات القائمة حيث إن "البدء من جديد سيستغرق وقتاً أطول"، مشيرة إلى أن الحكومات الانتقالية المتعاقبة لم تحقق الاستقرار في ليبيا.
كما شددت تيتيه على ضرورة وجود "إرادة سياسية" لضمان تنفيذ خارطة الطريق، وأنها لن تجري بين ليلة وضحاها، إنما بحاجة إلى مسار تدريجي مرن، وقد طالبت بأهمية وجود "ضمانات وعقوبات" بدعم من مجلس الأمن الدولي.
وقالت إن الوصول للانتخابات يرتكز بالأساس على تعزيز قدرة المفوضية العليا للانتخابات، وأن إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية يتطلب تعديل الأطر القانونية والدستورية. ومن ثم، فتعديل الأطر القانونية والدستورية لتدشين الانتخابات ممكن خلال شهرين في حال "توافرت الظروف المواتية".
ويرى المهداوي أن هذه التوترات والتي قد تتطور لاشتباكات مسلحة قد تدخل العاصمة في حالة من الفوضى، الأمر الذي سيقطع الطريق على خارطة تيتيه التي لم تبدأ بعد، ويعيق التوصل إلى اتفاق ويعمق الأزمة ليدخلها لنفق مظلم من الانفلات الأمني وغياب السلطة.
وأكد القماطي أن سبب تكرار اندلاع الاشتباكات في طرابلس أن خارطة الطريق الأممية لا تبقي على الدبيبة في منصبه، وهذا ما تعرفه المجموعات المسلحة. لذلك أيّ تسوية لن تمرّ إلا عبر مواجهة عسكرية أو تفاوض سياسي جديد.
للمزيد :
- أخبار طرابلس الآن مباشر