في ظل تفاقم الأوضاع الاقتصادية بإيران إلى جانب الأزمات السياسية والعزلة الدولية نتيجة إخفاق المسار الدبلوماسي مع الولايات المتحدة للحدِّ من أنشطتها النووية، ومن ثم، إعادة الأمم المتحدة فرض عقوبتها في سبتمبر الماضي، يؤكد مراقبون أن نظام "الولي الفقيه" يواجه أخطر مرحلة منذ عام 1979، إذ تتقاطع أزمتها المحلية العميقة مع ضغوط خارجية غير مسبوقة.
وبحسب المراقبين، فإن أعوام الحكم "الاستبدادي" بجانب العقوبات الأميركية فاقمت الانهيار الاقتصادي، وأشعلت موجات احتجاج متكررة كشفت عن تآكل الثقة الشعبية بالنظام. وقد أدت حرب الـ12 يوما الأخيرة وما رافقها من اختراقات أمنية إلى تصدع صورة الدولة، وكذلك تزايد الخلافات بين التيارات السياسية حول مستقبل البلاد والملف النووي.
انقسامات داخلية
وبينما يرى الإصلاحيون ضرورة الانفتاح وإعادة الاندماج الدولي، يتمسك المتشددون بخطاب "المقاومة".
كان مركز "إيسبا" لقياس اتجاهات الرأي العام التابع لطلاب الجامعات في إيران، قد أوضح نتائج مسح قام به الباحثون بتوصية من الرئاسة الإيرانية، وقد أشار إلى تنامي مستوى الاحتجاج الشعبي لنحو 92% على الأوضاع العامة القائمة، وهو رقم غير مسبوق يكشف عن حجم التصدعات الداخلية وتباعد الرؤى كما فقدان الثقة بين المواطنين والنظام.
فيما ذكر المستشار الاجتماعي ورئيس مركز الاتصالات الشعبية في مؤسسة الرئاسة الإيرانية، محمد جواد جوادي يغانه، أن نتائج الاستطلاعات تؤشر إلى أن غالبية المواطنين سجلوا تقييمهم عن أداء المسؤولين المحليين ونواب البرلمان بأنه "ضعيف" بنسبة 59 %، في حين لم تتخط باقي نتائج المصوتين درجة "متوسط".
من جهته، قال الرئيس مسعود بزشكيان في البرلمان، الثلاثاء الماضي، إنه من الضروري أن تكون الأولوية لحل المشكلات المجتمعية، مؤكدا أنه "لا يمكن مواصلة الحكم والشعب جائع".
وتابع: "إخفاق الحكومة في معالجة الأزمة المعيشية يعني انحرافها عن الطريق الصحيح".
3 عوامل رئيسة
في حديثه لمنصة "المشهد"، يوضح المحلل السياسي الإيراني وجدان عبد الرحمن أن هناك 3 عوامل رئيسة، تؤكد احتمالات "سقوط النظام الإيراني"، على حد وصفه، بفعل ما يعانيه من خلل بنيوي تظهر آثاره على مستوى الاحتجاجات الشعبية والانسداد السياسي والعلاقة المأزومة مع الغرب وواشنطن.
والعوامل الـ3 هي:
- العامل الداخلي: تشهد إيران حالة تذمّر شعبي واسع، إذ إنه وفقًا للإحصاءات التي قدّمها مركز أبحاث الجامعات في إيران بطلب من الرئيس الإيراني بزيشكيان، تبيّن أن نحو 92% من الشعب الإيراني لا يريد استمرار هذا النظام.
وهذه الأرقام تعكس فقدان النظام لقاعدته الشعبية بشكل شبه كامل، وهو أمر بالغ الدلالة على ضعف شرعيته الداخلية وتآكل الحاضنة التي كان يعتمد عليها، وفق المراقبين.
- العامل الخارجي: منذ تفعيل آلية الزناد ضد النظام الإيراني، تدهور الوضع الاقتصادي بشكل غير مسبوق، ولم يعد هناك صمت من الدول الغربية كما كان في السنوات الأولى بعد الثورة، أو حتى خلال الحرب العراقية–الإيرانية.
بل على العكس، أصبح هناك بحسب المراقبين بعض التحركات الغربية المتزايدة لمحاسبة النظام، وعادت العقوبات الأممية لتطوّق اقتصاده من جديد. حتى حلفاؤه التقليديون أُرغموا على تنفيذ قرارات آلية الزناد، وما يصدر عنهم اليوم لا يتعدّى تصريحات سياسية "شكلية" لا تُحدث أي أثر ملموس في إنقاذ الاقتصاد الإيراني المنهار.
- العامل الاقتصادي والأمني: تشير الإحصاءات أيضًا إلى أن نسبة غير قليلة من الذين كانوا سابقًا موالين للنظام، بل حتى من داخل الأجهزة الأمنية والحرس الثوري والجيش، باتوا ضمن دائرة السخط الشعبي.
وهذا يعني أن النظام فقد ليس قاعدته الاقتصادية فحسب، بل أيضًا جزءًا من "قوته القمعية"، ومن ثم، أصبح وجوده محدود وهامشي، بحسب المراقبين.
الركائز الأساسية
وانطلاقا من هذه العوامل الـ3، يمكن القول إن الركائز الأساسية التي تعتمد عليها الأنظمة الشمولية أي القاعدة الشعبية، الدعم الخارجي، والقدرة الاقتصادية والأمنية، قد تآكلت بالكامل في الحالة الإيرانية، وفق عبد الرحمن.
بالتالي، فإن اندلاع ثورة داخلية جديدة يبدو أمرا واردا للغاية، بحسب المحلل السياسي الإيراني، خصوصًا إذا ترافق مع صمت أو انضمام بعض الأجهزة الأمنية والعسكرية إلى صفوف المحتجين، كما لا يمكن استبعاد الدعم الغربي المباشر أو غير المباشر، سواء عبر الإعلام، أو بتزويد الشارع الإيراني بخدمات الإنترنت، أو حتى بتوجيه ضربات محدودة للنظام.
ويردف: "كل هذه المؤشرات تجعل من سقوط النظام الإيراني احتمالا جديا، خصوصا أن المجتمع الدولي كان يمنح النظام فرصة لتغيير سلوكه، لكنه لم يفعل، رغم العقوبات والضغوط المتزايدة. بل إن دول المنطقة نفسها توصّلت إلى قناعة بأن هذا النظام غير قابل للإصلاح أو لتعديل سلوكه، مما يجعل الرغبة في إنهائه رغبة داخلية وإقليمية ودولية في آنٍ واحد".
تآكل الثقة وفقدان الشرعية
يتفق والرأي ذاته، الباحث المختص في الشأن الإيراني بالمعهد الدولي للدراسات الإيرانية (رصانة)، محمود حمدي أبو القاسم، والذي يؤكد لـ"المشهد" أن إيران اليوم بصدد أخطر مرحلة منذ تأسيس "الجمهورية الإسلامية" عام 1979، إذ تتقاطع أزمتها الداخلية العميقة مع ضغوط خارجية غير مسبوقة، لافتًا إلى أن "سنوات الحكم الاستبدادي وسوء الإدارة والعقوبات الأميركية فاقمت الانهيار الاقتصادي، كما أشعلت موجات احتجاج متكررة كشفت عن تآكل الثقة الشعبية بالنظام".
وقد أدت حرب الـ12 يومًا مع إسرائيل وقصف المنشآت النووية الـ3، فضلاً عمّا رافق ذلك من "اختراقات أمنية إلى تصدع صورة الدولة، وتزايد الخلافات بين التيارات السياسية حول مستقبل البلاد والملف النووي"، وفق أبو القاسم.
وبينما يرى الإصلاحيون ضرورة الانفتاح وإعادة الاندماج الدولي، يتمسك المتشددون بخطاب ما يعرف بـ"المقاومة". إلا أنه مع عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للبيت الأبيض وتشديد العقوبات الأوروبية، يجد النظام نفسه "أمام مفترق طرق مصيري: إما الانسداد والتغيير عبر انهيار داخلي أو مواجهة عسكرية خارجية، أو الانفتاح والتسوية العاجلة لتفادي الانهيار".
ويختتم الباحث المختص في الشأن الإيراني بالمعهد الدولي للدراسات الإيرانية (رصانة) حديثه قائلًا إن "التطورات التي أعقبت 7 أكتوبر وعودة ترامب لولايته الثانية بالحكم وضعت النظام أمام واقع أكثر هشّاشة من الناحيتين السياسية الإقليمية والأمنية، إذ تقلّصت قدرته على المناورة، وبات يواجه استحقاقات مصيرية تهدد بقاءه إن أصر على نهجه المتشدد".