hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 المغرب في عمق الساحل الإفريقي.. شراكة تكسر عزلة الدول وتعزز نفوذه

تمكّن المغرب من الحفاظ على علاقة متوازنة مع دول الساحل (أ ف ب)
تمكّن المغرب من الحفاظ على علاقة متوازنة مع دول الساحل (أ ف ب)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • هناك مصلحة مزدوجة لكل من المملكة المغربية ودول تحالف الساحل (AES).
  • جذور علاقات المغرب مع دول الساحل تعود إلى قرون مضت.
  • المملكة تعرض مؤهلاتها الاقتصادية لخدمة بلدان الساحل.

في سياق التحولات المتسارعة التي تشهدها القارة الإفريقية، جاء لقاء العاهل المغربي الملك محمد السادس مع وزراء خارجية دول "تحالف دول الساحل" أمس ليعكس بوضوح طبيعة العلاقة الديناميكية والإيجابية التي تربط المملكة بدول الساحل.

في ظل تصاعد التحديات الأمنية والاقتصادية، تمكّن المغرب من الحفاظ على علاقة متوازنة مع دول شهدت انقلابات وتغيرًا جذريًا في السياسات، وهي مالي وبوركينا فاسو والنيجر.

وحمل لقاء أمس وفق خبراء دلالات إستراتيجية مفادها أن الرباط باتت طرفًا أساسيًا في التوازنات الجديدة في الساحل الإفريقي، مستثمرةً رصيدها التاريخي وعلاقاتها مع مختلف الأطراف.

لقاء الملك مع ممثلي دول تحالف الساحل

ريجيه أنكيبيه، مدير مركز إنتر غلوب المتخصص في العلاقات الدولية والجيوسياسية في باريس، يرى أن هناك مصلحة مزدوجة لكل من المملكة المغربية ودول تحالف الساحل (AES) ينبغي إبرازها في هذا الاجتماع، موضحا في حديث لـ"المشهد" أن:

  • الدول الساحلية بحاجة إلى الموانئ المغربية، لكونها دولاً حبيسة، ويضع المغرب في تصرفها واجهته الأطلسية لتيسير تجارتها الدولية والحفاظ على اقتصاداتها قائمة.
  • إلى جانب هذا البعد الجيو-اقتصادي، هناك أيضًا رسالة جيو-إستراتيجية وجيو-سياسية: الدول الساحلية تمر حاليًا بتوتر دبلوماسي مع الجزائر، والدعم المغربي يسمح لها بالحصول على حليف في المنطقة المغاربية.
  • المناخ الدبلوماسي المعقد بين الجزائر والرباط يمنح المملكة المغربية حجة إضافية لمواءمة أولوياتها الإستراتيجية مع أولويات الدول الساحلية الثلاث. 

يتفق المحلل السياسي النيجري علي يعقوب مع الطرح السابق، قائلًا في حديث لـ"المشهد" إن اللقاء بين ممثلي تحالف دول الساحل وملك المغرب له أهمية سياسية كبيرة، لأسباب لعل أبرزها:

  • دول الساحل لها علاقات اقتصادية وسياسية مع الجزائر، خصوصًا النيجر ومالي.
  • الأزمة بين الجزائر ومالي، شهدت دعمًا للأخيرة من قبل النيجر وبوركينا فاسو.
  • لجوء دول الساحل إلى المغرب قد يشكل قلقًا بالنسبة لدول في المنطقة، وفي الوقت نفسه استقرارًا في العلاقات بين المغرب ودول الساحل.

الرباط "شريك موثوق" 

من جهته، اعتبر الدبلوماسي النيجري السابق علي تاسع أن المغرب يعدّ شريكًا أساسيًا لدول تحالف الساحل، لما بين المملكة المغربية وهذه الدول من علاقات قديمة في مختلف المجالات، قائلا: "للمغرب دور كبير يمكن أن يلعبه في إخراج هذه الدول من العزلة، تتشبث هذه الدول به لأنه شريك يمكن الوثوق به في جميع الأحوال".

وأشار المتحدث ذاته في تصريح لـ"المشهد" أن "المغرب وقف مع دول الساحل لما خذلها الأقارب، وقدّم لها كل ما تحتاج من دعم مادي ومعنوي"، مضيفًا:

  • يأتي هذا اللقاء تتويجًا للجهود المبذولة من كلا الطرفين، من أجل تنمية العلاقات المتبادلة بين الطرفين.
  • كما يشكل هذا اللقاء تقدمًا نوعيًا في العلاقات القائمة بين دول تحال الساحل من جهة، وبين المغرب من جهة أخرى.
  • وهو عبارة عن مبادرة في نطاق أوسع، أطلقتها المغرب منذ عام 2023 من أجل توفير منفذ بحري لدول تحالف الساحل لكسر عزلة هذه الدول الجغرافية، وإتاحة الفرصة لها لتقوم بإجراء تبادلات تجارية دولية، وذلك عن طريق إيجاد ممر يوصل بينها وبين البحر.

علاقات المغرب مع دول الساحل

وتعود جذور علاقات المغرب مع دول الساحل، خصوصًا النيجر وبوركينا فاسو ومالي، إلى قرون مضت، حين كانت القوافل التجارية تعبر الصحراء الكبرى، حاملةً السلع والثقافات من شمال إفريقيا إلى أعماق القارة. وقد لعب المغرب دورًا تاريخيًا مهمًا في ربط هذه المناطق تجاريًا ودينيًا، عبر الطرق الصحراوية التقليدية.

مع استقلال هذه الدول في ستينيات القرن العشرين، عزز المغرب حضوره السياسي والدبلوماسي في غرب إفريقيا، مستفيدًا من الروابط الثقافية والدينية، خصوصًا عبر الطرق الصوفية كالتيجانية. وحرص المغرب على تطوير علاقات ودية مع هذه الدول في إطار سياسة إفريقية نشطة تبناها الملك الراحل الحسن الثاني، ثم واصلها الملك محمد السادس بتكثيف الزيارات الرسمية، وتوقيع اتفاقيات تعاون متعددة المجالات.

  • العلاقات مع مالي: كانت العلاقات تاريخيًا وثيقة، بحكم الروابط الدينية والتجارية القديمة. وشهدت دفعة قوية بعد الأزمة السياسية في مالي عام 2012، حيث لعب المغرب دورًا دبلوماسيًا لدعم استقرار هذا البلد، مع تقديم مساعدات إنسانية وتطوير مشاريع تنموية.
  • العلاقات مع النيجر: العلاقات المغربية - النيجرية تطورت ضمن إطار التعاون جنوب - جنوب. ركز المغرب على مشاريع التنمية الزراعية والتعليم والتكوين المهني، مع تعزيز التنسيق الأمني، خصوصًا فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب.
  • العلاقات مع بوركينا فاسو: على الرغم من بعدها الجغرافي النسبي، إلا أن العلاقات اتسمت بالاستمرارية والتعاون في مجالات التعليم، البناء، والبنية التحتية. كما زاد الاهتمام المغربي ببوركينا فاسو مع تنامي أهمية منطقة الساحل أمنياً وإستراتيجياً.

في السياق يأتي اللقاء بين الملك ووزراء خارجية دول "تحالف دول الساحل"، بحسب رئيس المرصد الصحراوي للإعلام وحقوق الإنسان محمد سالم عبد الفتاح، الذي اعتبره تنزيلًا للمبادرة التي يقودها عاهل البلاد المتعلقة بتعزيز الاندماج الاقتصادي لدول الساحل، إضافة إلى دعم الانتقال السياسي الذي تعيشه هذه البلدان وتعزيز الأمن والسلام في دول الجوار.

وأوضح عبد الفتاح لـ"المشهد" أن المغرب يراهن على التعامل مع الجهات الرسمية في هذه الدول، انطلاقًا من الشرعية الدولية الداعية لحسن الجوار واحترام سيادة هذه الدول، بعيدا عن التواصل مع الميليشيات والجماعات المسلحة. 

فرص التكامل الاقتصادي

وأشار المحلل السياسي المغربي إلى أن المملكة تعرض مؤهلاتها الاقتصادية لخدمة بلدان الساحل وانفتاحها على الجوار الإقليمي ومختلف الفضاءات الحيوية في المنطقة.

ورغم التباين في مستويات التنمية والاستقرار بين المغرب ودول الساحل الثلاث (مالي، النيجر، بوركينا فاسو)، إلا أن هناك فرصًا إستراتيجية حقيقية للتكامل الاقتصادي، تجعل من الشراكة جنوب - جنوب خيارًا ذا بعد عملي وجيوسياسي بالغ الأهمية.

المغرب، باقتصاده المتنوع، يمتلك بنية تحتية متقدمة تشمل موانئ كبرى على المحيط الأطلسي، مثل ميناء طنجة المتوسط، ومجمعات صناعية ضخمة في مجالات السيارات، الطيران، والأسمدة، بالإضافة إلى ريادة إفريقية في الطاقات المتجددة، كما يحتل موقعًا جغرافيًا يربطه بأوروبا غربًا، وبعمق القارة جنوبًا، وهو ما يتيح له لعب دور "البوابة الاقتصادية" بين إفريقيا والعالم.

في المقابل:

  • مالي تمتلك ثروات معدنية ضخمة، خصوصًا الذهب، لكنها تفتقر إلى منافذ بحرية وبنى تحتية كافية لتصديره بكفاءة. من هنا، تبرز الحاجة إلى الاستفادة من الموانئ المغربية وممراته اللوجستية.
  • النيجر غنية باليورانيوم والنفط، لكنها محاصرة جغرافيًا وتعتمد على بلدان الجوار للوصول إلى الأسواق العالمية. يمكن للمغرب أن يوفر لها منفذًا أطلسيًا مستقرًا وآمنًا للتصدير، إلى جانب خبراته في تطوير الطاقات.
  • بوركينا فاسو بدأت بالاستفادة من ثروتها الذهبية وزراعة القطن، لكنها تحتاج إلى شركاء موثوقين في التصنيع والمعالجة. وهنا، يمكن للمغرب أن يسهم بخبراته الصناعية في تحويل المواد الخام إلى سلع قابلة للتصدير، وتعزيز قيمة السلسلة الإنتاجية.

من جهة أخرى، تفتح هذه الشراكات المجال أمام المغرب لتوسيع أسواق صادراته، وتثبيت مكانته كمستثمر إفريقي رائد، خاصة من خلال الشركات العملاقة مثل OCP (في مجال الأسمدة)، والبنوك المغربية (التي وسّعت وجودها في غرب إفريقيا).