hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 هجوم إدلب.. ملف "الجهاديين الفرنسيين" ورقة جديدة للتقارب مع الغرب

المشهد

قوات الأمن السورية تطوق مخيم الجهاديين الفرنسيين بإدلب (رويترز)
قوات الأمن السورية تطوق مخيم الجهاديين الفرنسيين بإدلب (رويترز)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • تحول في مقاربة دمشق للملف الجهادي بعد هجوم إدلب.
  • الحكومة الانتقالية تستخدم ملف الجهاديين الفرنسيين لكسر العزلة الدبلوماسية.
  • مراقبون: دمشق تسعى لضبط المشهد الميداني تمهيدًا لمساومات دولية.

الهجوم الذي شنّته قوات الأمن السورية التابعة للحكومة الانتقالية التي يقودها أحمد الشرع ضد "جهاديين فرنسيين" وعلى رأسهم عمر ديابي المعروف بـ"عمر أومسن" في منطقة حارم بإدلب، لا يبدو مجرد عملية أمنية محدودة وفق مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، بل "خطوة سياسية" تعكس تحولاً في مقاربة دمشق للملف الجهادي ومحاولتها توظيفه باعتباره "ورقة تفاوضية" مع الغرب، خصوصًا فرنسا.

المخيم الفرنسي في إدلب

ويتزامن ذلك مع مساعي الحكومة السورية الانتقالية لكسر عزلتها الدبلوماسية وإعادة تقديم نفسها بوصفها "شريكًا موثوقًا في مكافحة الإرهاب"، حيث إن العملية جاءت عشيّة جلسة جديدة لمجلس الأمن حول سوريا.

وكان مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن، قد أوضح اليوم الأربعاء أن قوى الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية بالحكومة الانتقالية تطوق أمنيًا معقل "فرقة الغرباء" التي تضم جهاديين فرنسيين بقيادة "أومسين" المصنف على قوائم الإرهاب بعدما انتقل لسوريا عام 2013.

فيما تشير المعلومات إلى أن الهجمات أمس أسفرت عن وقوع قتلى وجرحي في صفوف الجهاديين الفرنسيين، خلال محاولة اقتحام المخيم بغرض اعتقالهم تمهيدًا إلى تسليمهم لفرنسا.

كما نقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن جبريل المهاجر، وهو ابن ديابي والمكنّى بـ"عمر أومسن" عبر تطبيق "واتساب" قوله: "تتواصل الاشتباكات منذ منتصف الليل ولم تتوقف بعد"، وقد عزا الهجوم إلى "رغبة فرنسا في تسلم فرنسيين اثنين من المجموعة".

ورقة سياسية بيد دمشق

رغم أن الحدث يبدو، للوهلة الأولى، مجرد عملية أمنية محدودة ضد بقايا المجموعات الجهادية الأجنبية، إلا أنه يعكس "تحولًا في طريقة تعامل دمشق مع الملف الجهادي"، وفق الكاتب والمحلل السياسي السوري درويش خليفة، لافتًا لـ"المشهد" إلى أن ذلك يمهد لاستخدامه كـ"ورقة سياسية" في مرحلة تشهد حراكًا دبلوماسيًا بالتزامن مع جلسة جديدة لمجلس الأمن بشأن سوريا.

أومسن، الذي يحمل أصولًا سنغالية، كان أحد أبرز الأسماء التي ارتبطت بتجنيد المقاتلين الفرنسيين خلال ذروة الحرب السورية. إذ قاد "فرقة الغرباء" التابعة لتنظيم "حراس الدين" الإرهابي (أحد فروع تنظيم القاعدة)، قبل أن يتصاعد خلافه مع "هيئة تحرير الشام" التي فككت التنظيم لاحقاً.

ومع سقوط نظام بشار الأسد قبل أشهر، انتقل أومسن ومجموعته إلى صفوف "الفرقة 82" في الجيش السوري، في خطوة مثّلت حينها تحولًا "رمزيًا" لمقاتلين أجانب تخلّوا عن السلاح، وبدأوا الاندماج في بنية جديدة للسلطة الناشئة، بحسب خليفة.

ويردف: "الهجوم على مخيم أومسن في حارم، لم يكن مجرد تصفية حسابات أمنية. فالتوقيت تزامن مع مساعٍ سورية لفتح قنوات تفاوض غير معلن مع باريس، خصوصًا في ظل رغبة دمشق رفع أسماء عدد من الشخصيات من قوائم العقوبات الأوروبية والأممية. وهنا تكتسب العملية بعدًا سياسيًا واضحًا، حيث إنها رسالة لفرنسا مفادها أن الحكومة السورية قادرة على ضبط المقاتلين السابقين، وأنها باتت شريكًا أمنيًا يمكن الاعتماد عليه، لا دولة خارجة عن السيطرة كما وصفت في الأعوام السابقة".

بالنسبة لدوائر القرار الفرنسي، لا يشكل هؤلاء أي خطر حقيقي، بحسب الكاتب السياسي السوري بل يمثلون بقايا صفحة "طُويت أمنيًا" منذ أعوام. لذلك، فإن أي تحرك سوري ضدهم لا يُقرأ باعتباره استجابة لطلب فرنسي، بقدر ما يُفهم كمحاولة من دمشق لاستخدام الملف في "مساومة سياسية"، خصوصًا بعد أن ربطت وسائل إعلام العملية بما قيل إنه "طلب رسمي من باريس".

من زاوية أوسع، يمكن القول إن دمشق تحاول عبر هذه العملية اختبار قدرتها على استثمار "الملف الجهادي" في خدمة أجندة دبلوماسية. فبعد أن كان هذا الملف أداة اتهام ضدها طوال عقد من الحرب، تسعى اليوم إلى قلب المعادلة وتقديم نفسها كـ"قوة مكافحة للإرهاب" قادرة على التعاون مع الغرب. إلا أن هذا التحول يظل محفوفًا بالمخاطر؛ لأن البنية الدولية لم تتغير بعد بما يسمح بعودة الثقة الكاملة مع المجتمع الدولي، ولأن القوى الغربية ما زالت تتعامل مع السلطة السورية كطرف غير مستقر سياسيًا، وفق مراقبين.

مرحلة "التعقيم الأمني"

من جهته، يرى الكاتب السوري شيار خليل أن ما جرى في إدلب ضد ما يُعرف بـ"المخيّم الفرنسي"، ليس مجرد حادث أمني معزول عن ما حوله من سياقات سياسية، محلية وخارجية، بل حلقة جديدة في تحول أوسع تشهده الجغرافيا السورية منذ انحسار المعارك الكبرى، وتحولها إلى صراع على "من يتحكم بالأمن والشرعية".

من الزاوية السياسية، تبدو العملية "رسالة متعددة الاتجاهات"، إذ إنها إشارة إلى أن النظام السوري الحالي يسعى لاستعادة المبادرة الأمنية في الشمال الغربي، ولو عبر عمليات نوعية محدودة، تذكّر الجميع بأنه ما زال قادرًا على الوصول أو التأثير داخل مناطق خارجة عن سيطرته المباشرة، وفق خليل في حديثه لمنصة "المشهد".

كما تمثل "ورقة تفاوضية" جديدة تجاه الغرب، وخصوصاً فرنسا التي تواجه منذ أعوام معضلة "المقاتلين الأجانب" بينما تبحث عن حلول قانونية وأمنية لإغلاق هذا الملف.

وتؤشر الزاوية الأمنية للحادث عن تبدل أولويات المشهد في إدلب، كما يقول الكاتب السوري، لافتًا إلى أن المعارك التي كانت تدور بين فصائل محلية، باتت اليوم تدور حول بؤر محددة من الجهاديين الأجانب الذين فقدوا الغطاء الشعبي والتمويل، وصاروا عبئًا حتى على النظام الحالي.

هذا يعني أن إدلب تدخل مرحلة "التعقيم الأمني"، تمهيداً لـ"مساومات دولية" لاحقة تتعلق بمصير المنطقة. في المحصلة، ما حدث هو "مشهد صغير" على جدارية الوضع السياسي كما الأمني والعسكري الذي تُعاد فيها صياغة النفوذ بسوريا، بحسب المصدر ذاته، مؤكدًا أن النظام يحاول إثبات أنه يمكن أن يكون شريكاً في "الحرب على الإرهاب".

ويختتم خليل حديثه قائلًا إن "الفصائل الإسلامية تحاول أن تُطهّر ساحتها من العناصر الأجنبية لتكسب شرعية"، وفي المقابل، الدول الغربية تراقب بصمت؛ لأنها تستفيد من ضرب الجهاديين من دون أن تتورط ميدانيًا، والميدان نفسه يعيد تعريف مفهوم المعركة أو النزاع في سوريا، وذلك من "معركة حدود وسلاح، إلى معركة سردية وسيطرة أمنية في ظل إعادة تشكيل خريطة الولاءات والمصالح".