تفتح حالة الطفلة ملك القانوع الباب على مصراعيه بشأن الأحوال المضنية والمصير القاتم الذي ينتظر الأطفال الغزّيين، حيث ولدت ملك برأس من دون دماغ في مستشفى العودة شمال قطاع غزة، في مشهد مؤلم صنفه مسؤولون صحيون، على أنه من "أبشع صور التشوهات الناتجة عن الحرب"، إذ يكشف فصلًا من فصول الكارثة والمعاناة الإنسانية المتفاقمة في غزة.
ويثير هذه التشوهات التساؤلات بشأن آثار الأسلحة والترسانة العسكرية التي تستخدمها إسرائيل ضد الفلسطينيين، تفتك بالأرحام وتظهر جليًا على أجساد الأطفال.
في خضم ذلك، تسجل أقسام التوليد والنساء التي تعمل بظروف صعبة في مستشفيات قطاع غزة، تزايدًا ملحوظًا في أعداد المواليد الجدد الذين يعانون تشوّهات خلقية خطيرة.
ويلاحظ الأطباء يومًا بعد آخر، تزايدًا مقلقًا لحالات التشوهات الخلقية لحديثي الولادة، حملت بهم أمهاتهم خلال الحرب المتواصلة، الأمر الذي يدفع الأطباء والمختصين إلى ربط تلك الظاهرة المقلقة والخطيرة، بمجريات أثر الحصار والحرب الإسرائيلية على أهالي قطاع غزة.
مشاعر الحزن والصدمة تسيطر على السيدة نور النجار، حيث إنّ جنينها الذي أنجبته قبل أيام قليلة مصاب بخلل في النمو، بفعل ارتفاع معدل المعادن الثقيلة في الدم بحسب الأطباء، وتروي لمنصة "المشهد" أنها قد "تعرضت طوال مدة الحرب وخلال فترة حملي بطفلي، لاستنشاق كثيف لدخان القذائف والصواريخ الإسرائيلية شمالي غزة، حيث من الصعب الهروب من رائحتها وآثارها التي تلتصق بكل مكان نوجد فيه".
وأضافت بصوت هزيل "هذه القذائف كلها سموم قاتلة، نحن وأطفالنا ضحايا نتعرض لها ليل نهار، حيث إنّ وضع طفلي خطير للغاية، ويحتاج إلى تلقّي العلاج خارج مستشفيات غزة".
حالة الحزن ذاتها، تلوّع قلب ناصر أسعد وزوجته التي وضعت طفلهما الأول بعد طول انتظار، "لاحظ الأطباء زرقة جسده الشديدة"، يقول ناصر لمنصة "المشهد"، فلم تتمكن زوجته من أخذ الأدوية والفيتامينات المناسبة للحمل، بالإضافة لنزوحهما بمدرسة للإيواء في مدينة غزة التي تعرّض محيطها للقصف الإسرائيلي عشرات المرات.
وأضاف أسعد "اكتشف الأطباء منذ ولادة طفلنا الأول، بأنّ لديه تشوهات في القلب تسمى رباعية فالوت، وهي لا تبشر بالخير على صحة وحياة الطفل".
تزايد حالات تشوه الأجنة
من جانبه، قال مدير المستشفيات الميدانية بوزارة الصحة في قطاع غزة الدكتور مروان الهمص، لمنصة "المشهد"، إنه عاين خلال جولاته الطبية عشرات الحالات التي تعاني من التشوه الخلقي للأطفال حديثي الولادة. ووصفها "بالزيادة اللافتة بعد الحرب، مقارنة بما قبلها".
وتابع الهمص: "نشهد ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات الإجهاص، وظهور تشوهات خلقية غير مألوفة على المواليد الجدد، في حين تتكرر عمليات ولادة أجنة مشوهة، بدون رأس، أو أيدي، أو أرجل، وفي بعض الحالات تعاني التقزّم والتشوهات الخلقية بصورة خطيرة وغير طبيعية".
وأوضح أنّ هناك العديد من العوامل التي تتسبب في ازدياد حالات التشوه، "كالقلق والخوف والرعب النفسي الذي تكابده النساء منذ اندلاع الحرب واستمرار القصف، والتعرض بشكل يومي للغازات السامة بفعل الغارات الجوية، بالإضافة لنقص المناعة، والجوع، والأوضاع المعيشية القاسية والجهد النفسي والجسدي الذي تعايشه النساء، وهذا الحال يهدد حياة قرابة 150 ألف سيدة حامل في القطاع".
وأشار إلى أنه "بشكل عام تُعزى التشوهات لأسباب وراثية، لكن في قطاع غزة تدلل المؤشرات المتتالية، على علاقتها بانعدام الظروف الصحية للمرأة الحامل، وعدم توافر المتطلبات الطبية كالفحوص والتحاليل الطبية، والأهم نوعية الأسلحة والقنابل والغازات التي تقذفها القوات الإسرائيلية على الفلسطينيين في قطاع غزة".
تشوهات خلقية صادمة
يكشف الطبيب المسؤول في جمعية الإغاثة الطبية محمد أبو عفش لـ"المشهد"، عن حجم الخطورة المتسارعة في عموم غزة، بظهور أطفال أصيبوا أو مصابين بالتشوهات الخلقية، "بفعل تعرّض السيدات الحوامل للسموم والبارود والقصف الإسرائيلي، كذلك التسمم بالألومنيوم والرصاص، والمواد الأخرى كالفسفور واليورانيوم، بالإضافة لسوء التغذية وضعف المناعة".
وخلال حديثه لـ"المشهد" يصف أبو عفش عن أثر تلك السموم التي تستنشقها النساء الغزيات والتي تسبب، "زيادة مضطردة بالولادة المبكّرة في مختلف المراكز الصحية، والإجهاض خصوصًا بالأشهر الأخيرة، بسبب النقص بالأكسجين، وتشوّه بالبصر والرئتين للأجنة، وعدم اكتمال الجهاز العصبي والتنفسي والسمعي للجنين، بسبب تعرّض النساء للمواد السامة بشكل مباشر".
ومن بعض صور وحالات التشوه الخلقي للأطفال حديثي الولادة وفق الطبيب أبو عفش، "فقدان البصر، وخلل بالجهاز التنفسي، وضعف بالجهاز العصبي، ومن التشوهات الغريبة نقص بالأطراف، أو عدم اكتمال نموّها، وتشوهات بالرأس والقلب والجلد والعمود الفقري والدماغ".
وأكد أنّ مصير هذه الحالات فقدان حياتهم "نتوقع الأسوأ نتيجة كميات البارود والقذائف التي تستخدمها إسرائيل في حربها على قطاع غزة، ناهيك عن انعدام الأدوية اللازمة للحامل، وتلوث المياه، ونقص الطعام، والتلوث البيئي، فالنسب العالمية لحدوث التشوهات تصل لـ1.5%، لكنها في قطاع غزة أكثر من ذلك بكثير، تجاوزت 25%، وهذه كارثة مضاعفة".
أسلحة إسرائيلية فتاكة
يوضح المحلل العسكري والسياسي أشرف عكة لمنصة "المشهد"، حول أسباب تزايد حالات تشوّه الأجنة داخل الأرحام في خضم الحرب المستمرة:
- استخدام إسرائيل للأسلحة والمتفجرات المحرمة دوليًا.
- الإشعاعات الناجمة عن القصف الإسرائيلي.
- انقطاع الأدوية والفيتامينات الخاصة بالسيدات الحوامل.
ولفت عُكة إلى أن الدلائل على الأرض تشير إلى أنّ "إسرائيل تستخدم أسلحة ذات تأثير كيماوي وإشعاعي مدمر، وتستهدف بهذه القذائف والقنابل منطقة صغيرة كغزة وفيها كثافة سكانية عالية، ما سيخلّف آثارًا وخيمة على السيدات الحوامل وصحة الأجنة، وقد تتزايد هذه الظاهرة وتمتد أعوامًا طويلة، بفعل استخدام إسرائيل ترسانة عسكرية محرمة دوليًا".
وشدد المحلل العسكري عُكة أنّ "التشوهات الخلقية للأجنة ستتزايد، حيث إنّ آثار القنابل تظهر على مدى 3 أشهر حتى 7 أعوام، فالجيش الإسرائيلي يستخدم ذخائر كيماوية وحرارية وبيولوجية، يلتصق ويتطاير في الشوارع وعلى المباني، وينتشر في الهواء والأراضي الزراعية، وهذه الذخائر تزيد من نسبة تشوّه الأجنة في الأرحام، وبالتالي نحو أمام جيل ستعمّ عليه ظاهرة التشوّهات الخلقية".