منذ بدء عملية التعداد السكانيّ في مختلف محافظات العراق في 20/ 21 نوفمبر الحالي، تصاعدت التوترات حول مصير مدينة كركوك (شمال العراق – منطقة متنازع عليها بين العرب و الكرد)، وتأثير عملية التعداد على التوازن الديمغرافي في المدينة الغنيّة بثرواتها النفطية والتنوّع العرقي والطائفي والقومي.
وتُعتبر عملية التعداد السكاني التي أطلقتها الحكومة المركزية في بغداد، أول تعداد سكانيّ شامل منذ العام 1997، ومن المتوقع أن تساهم نتائجه في رسم صورة واضحة للتوزّع السكاني ونسبة المكوّنات المختلفة في البلاد، خصوصاً في المناطق المتنازع عليها، في مقدمتها مدينة كركوك، التي تمزج بين الكرد والعرب والتركمان وبعض الأقليات الأخرى كالمسيحيين والصابئيين والمندائيين.
ولتسهيل عمل لجان التعداد، أعلنت الحكومة المركزية في بغداد، وحكومة إقليم كردستان، عطلة رسمية يومي الأربعاء والخميس الماضي، وقرر مجلس الوزراء العراقي تسجيل المواطنين في المناطق المتنازع عليها على أساس مناطقهم الأصلية وليس محل سكنهم.
مطالبات بإيقاف التعداد
ولكن المخاوف بشأن التلاعب في مصير مدينة كركوك عادت للظهور، حيث رصد ائتلاف التحالف العربي والجبهة التركمانية العراقية، دخول عشرات العائلات الكردية القادمة من مدن الإقليم إلى مدينة كركوك قبيل عملية التعداد، ما دفع التحالف العربي لمطالبة الحكومة العراقية بإيقاف عملية التعداد، لأن هذه العائلات ليست من سكان مدينة كركوك، ما سيؤدي للتغيير الديمغرافي بعد إحصاء نتائج التعداد.
وفي المقابل رد الحزب الديمقراطي الكردستاني في أربيل على المطالبات العربية التركمانية بإيقاف عملية التعداد السكاني في كركوك، وجاء في بيان الحزب أن الاتهامات الصادرة عن بعض الأحزاب العربية والتركمانية، تؤكد أن عقلية النظام العراقي السابق، الذي هدم 753 قرية كردية في كركوك، ما تزال موجودة.
ويقول كفاح محمود مستشار الرئيس مسعود بارزاني، لمنصة "المشهد" إن التعداد السكاني يقوم على أساس وثائق رسمية صادرة من مؤسسات الدولة العراقية، كالجنسية العراقية وهوية الأحوال المدنية والبطاقة التموينية والبطاقة الوطنية.
ويوضح محمود أن كل هذه الوثائق الرسمية تثبت أن هؤلاء الذين دخلوا المدينة قبيل عملية التعداد، هم من أبناء كركوك الذين تم تهجيرهم لعدة مرات، آخرها في 16 أكتوبر 2017، حيث نزح أكثر من 180 ألف مواطن كردي خارج مدينة كركوك وأطرافها، بعد دخول قوات الحشد الشعبي وبعض الميليشيات الأخرى، التي باشرت عمليات التغيير الديمغرافي.
ويؤكد محمود أن من ينشر هذه الادعاءات، هم من المتضررين من عملية التعداد العام للسكان، ويعملون على إعاقة هذه العملية، التي ستظهر الحقائق أنها لا تحتوي لا على حقل القومية ولا المذهب.
استبعاد المذهب والقومية
وكان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، وضحّ الأسباب التي دفعت الحكومة لإلغاء خانتي المذهب والقومية من استمارة التعداد، حيث لا يحق لفريق التعداد سؤال المواطنين عن مذهبهم أو قوميتهم، مؤكداً أن السبب هو أن عملية التعداد العام هي عملية تنموية وليست إحصاءً لعدد المكوّنات.
ويرى محمود أنّ التعداد العام ليس تعداداً سياسياً، بل تنموياً يعتمد على الجانب الاقتصادي والتنموي وقطاع الشباب والبطالة ومستوى المعيشة، كل هذه البيانات ستدخل في استمارات التعداد، مضيفاً: "كل المناطق بما فيها كركوك وسنجار وخانقين وسهل نينوى، التي تتبع لمحافظتي ديالى وصلاح الدين، ستخضع للمادة 140 من الدستور العراقي، عند تطبيق هذه المادة سيتم إجراء استفتاء عام يحتوى على حقل القومية لمعرفة نسبة كل قومية في هذه المناطق".
وكانت مصادر محلية أكدت لمنصة "المشهد" أن فرق التعداد، تجنبت سؤال المواطنين عن مذهبهم أو قوميتهم، بل اعتمدت أسئلة أخرى متعلقة بعدد أفراد العائلة ومساحة المنزل وعدد الهواتف المحمولة التي يستخدمونها والسيارات التي يمتلكونها، وغيرها من الأسئلة المرتبطة بالحالة المادية للعائلة.
وفي المقابل، يقول الأمين العام لهيئة الرأي العربية في مدينة كركوك ناظم الشمري، لمنصة "المشهد": "رصدنا تدفق عشرات العائلات الكردية من إقليم كردستان إلى كركوك ليسجلوا أسماءهم في التعداد العام، كان ذلك محل استغراب واستنكار من المكوّن العربي والتركماني في مدينة كركوك، لذلك طالبنا من خلال بياناتنا الرسمية بإيقاف عملية التعداد".
ويؤكد الشمري: "بعد انتهاء عملية التعداد العام، هنالك مئات العائلات التي مازالت عالقة على المنافذ الحدودية لمدينة كركوك، التي سجلت في التعداد العام وتريد العودة إلى مدنها في الإقليم، إذاً إنها محاولة لتغيير ديمغرافية المدينة". حسب قوله.
ويشرح الشمري: "حقيقة الإحصاء ليست لمعرفة سكان كل محافظة نسبة إلى هوية الأحوال المدنية، إنما هدفه معرفة عدد القاطنين فعلاً في كل محافظة، وليس عدد سكانها الأصليين، السؤال هنا: هل عاد المواطنون من عرب بغداد الذين يسكنون في أربيل أو السليمانية أو دهوك إلى مدينتهم للتسجيل في تعداد بغداد؟ هل تم تسجيلهم ضمن أهالي بغداد أو ضمن أهالي أربيل، بالطبع سيتم تسجيلهم ضمن تعداد أربيل".
ويتساءل: "هذه العائلات التي عادت إلى كركوك، لماذا لا تقطن في كركوك؟ لماذا سجلت في التعداد وعادت إلى مدنها التي تسكن فيها؟ إذاً نحن نعتقد أنهم يحملون هويات مزدوجة وبطاقات سكن مزدوجة وبطاقات تموينية مزدوجة، البطاقة، لذلك طالبنا بإيقاف عملية التعداد العام للسكان في المدينة".
وعن مصلحة الحكومة الكردية من دفع العائلات الكردية للتسجيل في تعداد كركوك، رغم غياب خانة القومية من استمارة التعداد، يجيب الشمري: "كركوك مفتوحة لأهلها، العرب والتركمان يرحبون بعودة أيّ عائلة كردية لتقطن في مدينتها الأصلية، لكن المشكلة هي ليست في القومية أو المذهب، مشكلتنا هي محاولة بعض الأطراف الاستفادة من التعداد العام حالياً، عند تطبيق المادة 140 من الدستور لاحقاً، والتي تنص في فقرتها الثالثة أنه سيتم إجراء استفتاء عام وإحصاء لعدد السكان وفقاً للمذهب والقومية، لتقرير مصير المحافظة".
تسهيل حكومي
ويؤكد المحلل السياسي محمد زنكنة، لمنصة "المشهد" أن كل العائلات التي عادت هي من مدينة كركوك، عادوا ليتم تسجيلهم في تعداد محافظتهم، مشيرا إلى أن عائلات كثيرة تعيش في إقليم كردستان من سكان المناطق المحكومة بالمادة 140 من الدستور، مُنحوا إجازات من أعمالهم ليعودوا إسوة ببقية المحافظات، مؤكداً أن الأحزاب الكردية لا دور لها في هذا الموضوع.
وقال زنكته "كان هنالك تسهيل حكومي لانتقال هذه العائلات وكلهم يمتلكون هوياتهم وأوراقهم الرسمية". وأضاف "هذه العملية لم تطبّق فقط على مواطني مدينة كركوك، بل أيضاً على العرب المقيمين في مدن الإقليم، معظمهم عادوا إلى مدنهم ليسجلوا بياناتهم في تعداد مدنهم الأصلية، سواء العرب من بغداد أو البصرة أو النجف القاطنين في أربيل أو السليمانية معظمهم عادوا خلال فترة التعداد ليسجلوا على محافظاتهم الأم (مسقط رأسهم)".
ويتساءل عن الأسباب التي دفعت المكوّن العربي والتركماني للقلق والمطالبة بإيقاف عملية التعداد العام، إذا كانت خانة القومية غير مشمولة باستمارة التعداد، مضيفاً: "نظام الإحصاء الذي اتبعته الحكومة العراقية معطّل منذ 40 عاماً، لو كان هذا النظام يعمل، لما كانت هناك حاجة للكركوكي الذي يعيش في أربيل أن يعطّل عمله ويسافر، ويتم فرض حظر للتجوال في المدن، كان يمكن تسجيل المواطنين على مسقط رأسهم عن طريق النظام الإلكتروني".
ووفقاً للتعداد السكاني عام 1997، بلغت نسبة العرب في مدينة كركوك 72%، والكرد 21% والتركمان 7%، لكنها تعرضت عبر التاريخ، خصوصاً خلال فترة النظام العراقي السابق إلى تغييرات ديمغرافية، زادت من تعقيد الخلافات السياسية في المدينة الغنية بالثروات النفطية، التي تجعلها هدفاً للعديد من الأطراف للاستفادة من مصادر النفط والسيطرة عليها.