"يا أولاد الكلب سلموا اللي عندكم وخلصونا"، بهذه الكلمات شنّ الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن هجوماً حاداً وعنيفاً على حركة "حماس" خلال اجتماع المجلس المركزي الفلسطيني في مدينة رام الله، وسريعاً ما انتشرت هذه الكلمات كالنار في الهشيم على وسائل الإعلام العربية والدولية ومواقع التواصل الاجتماعي المختلفة.
ولم يكتف الرئيس الفلسطيني بتوجيه شتائم ضد حركة "حماس"، بل اتهمها بأنها من تسببت في نكبة للفلسطينيين، وحضّها على تسليم سلاحها والأسرى الإسرائيليين لديها، لسدّ ذرائع الجيش الإسرائيلي باستمرار الحرب على قطاع غزة الذي بات يواجه أزمة وجود حقيقة.
خطاب أبو مازن القاسي ضد حركة "حماس" أحدث موجة واسعة من الجدل داخل الأوساط العربية بشكل عام والفلسطينية على الوجه الخصوص، خصوصا وأنه لم يسبق لأي فصيل فلسطيني توجيه شتائم بهذه الحدة بشكل علني للآخر، وهو الأمر الذي أثار تساؤلات عديدة كان أبرزها: ما الذي جعل أبو مازن ينتقد "حماس" بهذه الكلمات اللاذعة؟ ولماذا رفع حدة خطابه ضد الحركة؟ وهل باتت المصالحة الوطنية الفلسطينية صعبة المنال بعد هذا الهجوم؟
محمود عباس يشتم "حماس"
وتعليقاً على موجة الجدل الدائرة بسبب هجوم الرئيس الفلسطيني أبو مازن على "حماس"، أوضح أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس الدكتور جهاد حزارين في تصريحات خاصة لمنصة "المشهد" بأن القضية ليست قضية انتقاد بقدر ما وضع الرئيس أبو مازن النقاط على الحروف حول التعامل بواقعية في سياق المشهد الذي يعيشه الشعب الفلسطيني، خصوصا في ظل حرب الإبادة التي يقوم به الجيش الإسرائيلي وحرب التجويع.
"ولذلك عندما يتحدث أبو مازن بأن الدم الفلسطيني غال فيجب على الجميع إدراك هذه المسؤولية وهذه المكاشفة الذي تحدث عنها بصورة انفعالية عن ما يجري في قطاع غزة" أضاف المتحدث ذاته، موضحاً أن الرئيس تحدّث بقلب صادق خوفاً على مصلحة الشعب الفلسطيني.
وأكد حزارين على أن "الشعب الفلسطيني الذي لديه الآن في قطاع غزة الوقت عبارة عن دم، أي أن كل لحظة ودقيقة تمر على هذا الشعب يدفع ثمنها باهظاً من أبنائه سواء كانوا شهداء أو مصابين أو حتى تجويع وتعطيش، لذلك فإن الرئيس أبو مازن وضع الأمور في سياقها الطبيعي بقدر من المكاشفة وبعيداً عن التجميل والتنميق بما يتعلق بالأحاديث والخطابات واطلاع الشعب بكل أموره".
أهداف أبو مازن
وبحسب حزارين، فإن الرئيس أبو مازن كان يقصد بانتقاده الحاد لحركة "حماس"، الآتي:
- ضرورة سد كافة الذرائع التي يتذرع بها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو في مواصلة حربه الشعواء على الشعب الفلسطيني.
- عدم استمرار مسلسل القتل والإبادة الذي يمارسه نتانياهو وحكومته المتطرفة بحق الفلسطينيين العزل.
- رغبته في تسليم الأسرى الإسرائيليين في إطار صفقة تبادل.
- العمل على تسليم سلاح حركة "حماس" لقوى الأمن الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية، وإزاحة "حماس" عن المشهد الفلسطيني.
واعتاد الفلسطينيون على الانتقادات والاتهامات المتبادلة ما بين حركتي فتح و"حماس"، ولكن ربما هذه هي المرة الأولى التي يجري فيها إطلاق شتائم غير معتادة، لذلك يقول حزارين إنه عندما نجد أن هناك مناورات ومراهنات أدت بالشعب الفلسطيني إلى تلك المقتلة وإلى تلك الإبادة التي يعيشها في هذه الأثناء، كان لابد من الحديث بشكل واضح بأن "حماس" لا تتعاطي ولا تتجاوب مع ما يتم طرحه، خصوصا وأنها هي التي اتخذت قرار الحرب منفردة وزجت بالشعب الفلسطيني إلى كل هذا الدمار الهائل الموجود حالياً وحتى اللحظة ما تزال تناور، على حد تعبيره.
مصير المصالحة الوطنية الفلسطينية
وفيما يتعلق بمصير المصالحة الوطنية الفلسطينية، أكد رئيس مركز القدس للدراسات السياسية والإستراتيجية الدكتور أحمد رفيق، أن تحقيق هذه المصالحة أصبح ضرباً من ضروب الخيال في هذه المرحلة وخصوصا بعد الهجوم العنيف الذي شنه الرئيس أبو مازن مؤخراً على "حماس"، مشيراً إلى أن الأخيرة غير جادة وغير معنية باتفاق مع السلطة الفلسطينية، لأنها تعتقد أنها قدمت الكثير، وبالتالي يجب أن تكون جزءاً من الصورة ولا تتخلى عن قطاع غزة ولا الحكومة أصلاً، ولهذا السبب فالأمور تظل كما هي وتتعقد أكثر فأكثر أمام كافة الجهود اللي تبذل في سبيل رأب الصدع الفلسطيني.
وأوضح رفيق أن احتمالات التوافق بين حركتي "حماس" وفتح في هذه المرحلة باتت ضعيفة للغاية، مؤكداً أن "حماس" لن تتخلى عن قيادة زمام الأمور والعمل الفلسطيني بعد كل الخسائر التي منيت بها، والثمن الذي دفعته خلال الحرب التي ما زالت دائرة في قطاع غزة، ومن ثم فإن التوصل لأرضية مشتركة مع بعضهم البعض أصبحت بعيدة.
"حماس" لا تعتبر أبو مازن رئيسا شرعيا
بدوره، أشار الباحث المتخصص في الشأن الإسرائيلي عادل شديد بأن هذا لم يكن الانتقاد الأول الذي يوجهه الرئيس محمود عباس إلى حركة "حماس"، فالرجل استغل الكثير من المنصات العربية والإقليمية والدولية لانتقاد قيادة حركة "حماس"، لأنه يعتقد أن حكم الحركة في غزة أضعفت كثيراً الموقف الفلسطيني وأضعفت الرئيس عباس نفسه، ولم يعد ينظر إليه إقليميًا ودولياً كرئيس يمثل الكل الفلسطيني وهذا نتاج الانقسام، موضحاً أن "حماس" لا تعتبر أبو مازن رئيسا شرعيا وبالتالي فإن هذا الأمر يضع الرئيس في موقف صعب للغاية.
ويعتقد شديد بأن الرئيس أبو مازن أراد من انتقاده الشديد لـ"حماس" بأن يوصل رسائل إلى الخارج أكثر ما هي للداخل، لافتاً إلى أن هذا الانتقاد سيضيف حصارا جديدا على الحصار الذي تتعرض له حركة "حماس"، لكنه أوضح في الوقت ذاته أن المفردات التي استخدمها أبو مازن لا تليق برئيس دولة.
ومن ناحيته، أكد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس الدكتور جهاد حزارين، أن تحقيق المصالحة الفلسطينية أمر صعب رغم عنق الزجاجة والظرف التاريخي الذي تمر به القضية الفلسطينية، كاشفاً أن أكثر من 23 جولة من جولات حوار المصالحة الوطنية الفلسطينية، وأكثر من 6 اتفاقيات وقعت، وفي كل مرة كانت تتنصل حركة "حماس" وترفض الالتزام بكل تلك الاتفاقات، بدءاً من الورقة المصرية في عام 2009، مرورا باتفاق مايو 2011، واتفاق الدوحة عام 2012، واتفاق الشاطئ 2014، واتفاق أكتوبر 2017، واتفاق 2021، فكل هذه الاتفاقات بعد أن يتم التوقيع عليها تتنصل منها "حماس" لارتهانها بأجندات خارجية.
الكرة في ملعب "حماس"
وحذّر حزارين من أن القضية الفلسطينية تشهد منعطفاً تاريخياً، فإما أن تبقى هذه القضية حية وإما أن تُشطب إلى حيث لا رجعة، وأكد أن الكرة الآن في ملعب حركة "حماس" ولا يزال الباب مفتوحاً أمامها في العودة إلى سياق الحوار الوطني، والالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني، و"في سياق الاعتراف بالشرعية الدولية وفي سياق رد العدوان الإسرائيلي، وحماية شعبنا وسد الذرائع وإسقاطها من نتانياهو وحكومة اليمين الإسرائيلي المتطرفة، حتى تتم حماية الشعب الفلسطيني".
وطالب أستاذ العلوم السياسية بضرورة أن يكون الجميع ساعياً نحو تحقيق الوحدة الوطنية، في إطار بوتقة عمل واحدة وفي إطار إستراتيجية فلسطينية واحدة مشتركة تستند إلى الشرعية الدولية، وتستند إلى أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد إلى الشعب الفلسطيني وهي مظلة الكل الفلسطيني، متسائلاً هل تقبل "حماس" بأن تكون جزءاً من الكل الوطني الفلسطيني أم لا تزال في كفة والشعب الفلسطيني في كفة أخرى ومصالحها تُقدم على مصالح الفلسطينيين؟
وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد وجّه انتقادات حادة لحركة "حماس" وصلت إلى حد الشتائم، محملاً إياها مسؤولية الأوضاع الكارثية التي شهدها قطاع غزة من قتل وتجويع وتشريد لملايين الفلسطينيين هناك، بسبب سياستها وقراراتها المنفردة تجاه الفلسطينيين.