يبدو أنّ إثيوبيا ماضية نحو تحقيق هيمنة مائية في نطاقها الإقليمي، وذلك عبر إصرارها في العمل على توسعة مشاريعها المائية الكبرى، والتي تصفها بأنها تخدم أهدافها التنموية، من دون النظر إلى مصالح دول حوض النيل، التي تصطدم بتحديات جسام تمثل تهديدًا مباشرًا لأمنها المائي.
فبعد إعلان الحكومة الإثيوبية عن افتتاح سد النهضة بشكل رسمي في سبتمبر الماضي، والذي شكّل محور خلاف حاد وطويل مع دولتي المصب مصر والسودان، عادت مرة أخرى لتعلن عن بناء سد جديد أطلق عليه "كويشا"، وأكد رئيس الوزراء آبي أحمد، أنّ نسبة إنجاز العمل في هذا السد وصلت إلى نحو 70%, مبيّنًا أنه سيكون ثاني أكبر سد في البلاد بعد سد النهضة، وأحد أكبر السدود في إفريقيا بعد الانتهاء من بنائه.
ويُنظر إلى سد "كويشا" الذي يقع على نهر أومو في الجنوب الغربي من إثيوبيا، كخطوة جديدة ضمن إستراتيجية الحكومة الإثيوبية طويلة المدى، التي تهدف إلى بناء شبكة من السدود، تؤدي إلى توليد الطاقة الكهرومائية وتحقيق التنمية الاقتصادية، في وقت تراقب فيه دول المنطقة هذه التحركات بحذر، لما قد تحمله من تداعيات على التوازن المائي في شرق إفريقيا.
لا توجد مخاطر على مصر
وفي خضم الإعلان الإثيوبي عن قرب اكتمال أعمال بناء سد "كويشا"، عادت إلى الواجهة من جديد المخاوف المصرية بشأن تداعيات هذا السد على الأمن المائي للبلاد، رغم أنه لا يقع على أحد روافد نهر النيل، الذي يعدّ شريان الحياة بالنسبة لعموم المصريين.
وفي هذا الصدد، استبعد وبشكل قاطع مستشار وزير الري المصري الدكتور ضياء القوصي في تصريحات خاصة لمنصة "المشهد"، حدوث أيّ تأثيرات على حصة مصر المائية من بناء سد "كويشا"، مؤكدًا أنه لن يكون له تهديدات تُذكر على مصر، لا من قريب ولا من بعيد، ولا داعي للقلق، عازيًا وجهة نظره تلك، إلى أنّ هذا السد يقع خارج نطاق حوض نهر النيل.
وأشار القوصي إلى أنّ إثيوبيا يوجد بها 12 نهرًا من بينهم 3 فقط تتبع منظومة نهر النيل ولا تصب في مجرى النهر، وهي (السوباط والنيل الأزرق وعطبرة)، أما الباقون فلا علاقة لهم بمصر، ويذهبون إلى دول أخرى مثل الصومال وكينيا وإريتريا.
ولفت القوصي إلى أنّ سد "كويشا" يقع على نهر أومو الإثيوبي، والذي يتجه إلى بحيرة توركانا في دولة كينيا، وبالتالي فإنّ المتضرر الأكبر من بناء هذا السد هي كينيا، وهو ما قد ينعكس سلبًا على الأمن الغذائي والموارد المائية المتاحة لديها، مشيرًا إلى أنّ هذه الخطوة تؤكد وبشكل جازم، أنّ المسؤولين الإثيوبيين لا يعيرون أيّ اهتمام بمصالح الدول المجاورة لهم.

تحديات مائية حقيقة
وعلى الرغم من التطمينات التي ذكرها القوصي لعموم المصريين من سد "كويشا" الإثيوبي الجديد، وعدم تأثر حصتهم المائية من بنائه، إلاً أنه أوضح أنّ هناك تحديات مائية حقيقية من الممكن أن تصطدم بها القاهرة، في حال إقدام إثيوبيا على تنفيذ سدود أخرى، كانت قد أعلنت في وقت سابق أنها تعتزم بناءها على حوض النيل الأزرق، مشيرًا إلى أنّ أديس أبابا تمتلك خطة لتشييد 3 سدود وهي (سد مندايا، وسد بيكوابو، وسد كاردوبي)، وذلك بداية من بحيرة تانا حتى سد الحدود والمعروف بسد النهضة.
وأوضح مستشار وزير الري المصري، أنه في حال بناء هذه السدود الـ3، فهي ستشكل خطورة كبيرة للغاية على حصة مصر المائية، لأنّ السعة التخزينية ستصل في هذه الحالة إلى 200 مليار متر مكعب من المياه، وهذا الرقم الكبير يشكل 4 أضعاف تصريف النيل الأزرق، وبالتالي في هذه الحالة ستتحكم أديس أبابا في كميات المياه التي تصل إلى القاهرة، وإذا رغبت في عدم وصول المياه إلى الأخيرة فستقوم بذلك، متوقعًا ضرب مصر لهذه السدود إذا شرعت إثيوبيا في بنائها.
من جهته، لفت أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة الدكتور عباس شراقي، إلى أنّ ما تفعله إثيوبيا يعدّ توسيعا ممنهجا لنفوذها المائي على حساب جيرانها، فهي لا تتوقف عن بناء السدود من دون تنسيق ولا اتفاقات ملزمة، مع من قد يتأثرون بتلك السدود في المستقبل، وهو الأمر الذي يؤكد أنّ الجانب الإثيوبي يمضي في ممارسة سياسة مائية توسعية تتجاوز حدود التنمية إلى السيطرة السياسية.
ويقول شراقي، إنّ بناء سد "كويشا" لم يأتِ من قبيل الصدفة، ولكنه موجود منذ عام 2016، ويعدّ جزءًا من خطة متكاملة تتبناها الحكومة الإثيوبية من أجل الاستحواذ على منابع المياه، ومن ثم استخدامها لتحويلها إلى أداة ضغط سياسي على دولتي المصب مصر والسودان، موضحًا أنّ سد كويشا خرساني بارتفاع 180م، وسعته التخزينية تصل إلى 9 مليار متر مكعب، وإنتاج كهرباء 2200 ميغاوات مثل السد العالي، ويُعتبر ثاني أكبر السدود في إثيوبيا إنتاجًا للكهرباء بعد سد النهضة.
الأراضي الإثيوبية غير مناسبة للسدود
وبحسب شراقي، فإنّ طبيعة الجغرافيا في إثيوبيا غير ملائمة لإقامة السدود عليها، لأنها هضبة عالية ذات انحدارات شديدة وصخور وعرة، ورغم ذلك تصر إثيوبيا على المضي قدمًا في بناء السدود على ممرات الأنهار العابرة للحدود بها، ضاربة بذلك عرض الحائط للقوانين والأعراف الدولية كافة، المنظمة لمياه الأنهار عابرة الحدود، إضافة إلى تحديها للطبيعة نفسها.
ويرى أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، أنّ السدود التي تبنيها إثيوبيا، تحمل مخاطر فنية وبيئية عالية على جيرانها، وحذر من أنّ غياب الشفافية في إدارة وتشغيل تلك السدود ومعايير الأمان بها، قد يؤدي إلى كوارث مائية إذا حدث أيّ خلل أو انهيار جزئي.أما الأمين العام للجنة الدولية للدفاع عن الموارد المائية وعضو الجمعيتين الأميركية والأوروبية للقانون الدولي الدكتور محمد مهران، فقد أوضح أنّ فشل مجلس الأمن الدولي حتى اليوم في اتخاذ موقف حازم، سيشجع إثيوبيا على المزيد من الانتهاكات، وسيفتح الباب أمام صراعات مائية عديدة في مناطق أخرى من العالم، ما يهدد الأمن والاستقرار العالميين، مؤكدًا أنّ حماية الحقوق المائية المكتسبة، مسؤولية دولية جماعية.
وطالب مهران بمواقف دولية أكثر حسمًا وفاعليةً تجاه الانتهاكات الإثيوبية، مشيرًا إلى أنّ البيانات وحدها لم تعد كافية، وأنّ الوقت قد حان لاتخاذ إجراءات عملية، تشمل فرض عقوبات اقتصادية على إثيوبيا، ووقف المساعدات التنموية لها، حتى تلتزم بالقانون الدولي وتوقّع اتفاقات ملزمة مع جيرانها، لكي تحفظ حقوق تلك الدول، وتمنع حدوث كوارث إنسانية قد تؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة بأكملها، ولها تداعيات عالمية خطيرة.
إثيوبيا تنتهك القانون الدولي
ويؤكد مهران أنّ أديس أبابا تنتهك 3 مبادئ أساسية في القانون الدولي للمياه، وهي:
- عدم الإضرار بدول المصب.
- الاستخدام المنصف والمعقول.
- التشاور المسبّق مع دول الجوار.
وحذر في الوقت نفسه من تداعيات قبول المنطق الإثيوبي، مشددًا على أنّ ذلك قد يفتح الباب لفوضى دولية تهدد الأمن المائي لكثير من الدول، وقد يشجع دولًا أخرى على انتهاك حقوق جيرانها.
وأقر مستشار وزير الري المصري الدكتور ضياء القوصي، بوجود مشكلة طاقة فعليًا في الداخل الإثيوبي، موضحًا أنّ الحكومة الإثيوبية تسعى عبر بناء هذه السدود المائية إلى توليد الكهرباء، وهو ما يمثل إضافة كبيرة للطاقة في إثيوبيا ويعزز قدراتها الإنتاجية.
لكنه في الوقت ذاته، أكد أنّ المنافع الاقتصادية التي تنشدها أديس أبابا من تلك السدود التي تبنيها، تتطلب مراقبة دقيقة لتأثيرات هذه المشاريع على التدفقات المائية في الدول المتشاطئة والمجاورة لها، بالإضافة إلى ضرورة وجود تنسيق سياسات مائية إقليمية من أجل تجنب الخلافات واستدامة الموارد، وحث على أهمية وجود اتفاق قانوني ملزم بشأن إدارة المياه بين دول المصب وأديس أبابا.
ورغم تأكيد القوصي أهمية وجود السدود داخل إثيوبيا من أجل الحصول على الكهرباء التي تواجه عجزًا ليس بالقليل فيها، إلا أنه كشف أنّ الهدف الأسمى الذي تسعى إليه إثيوبيا من بناء مشاريع السدود، هو تحويل المياه إلى سلعة اقتصادية تُباع إلى مصر ودول حوض النيل.