لم يمر أكثر من شهر منذ أطاح الحرس الرئاسي في النيجر بحكومة البلاد المنتخبة ديمقراطياً، الأمر الذي أدى إلى اندلاع مواجهة متوترة بين المجلس العسكري والمجتمع الدولي، في حين تستمر قطع الدومينو بالتساقط في غرب إفريقيا، وفق صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية.
ومنذ أيام عدة، أطاح كبار الضباط في الغابون برئيس البلاد علي بونغو، الذي حكم لفترة طويلة، في أعقاب انتخابات مثيرة للجدل.
مثّلت الإطاحة بالرئيس الغابوني، الانقلاب السابع في إفريقيا في غضون 3 أعوام بما في ذلك انقلابات سابقة في مالي وبوركينا فاسو وغينيا.
وقال الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو الذي يرأس المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) - الهيئة الإقليمية الرئيسية في غرب إفريقيا - الخميس: "لقد تأكدت مخاوفي في الغابون من أن المقلدين سيبدأون في فعل الشيء نفسه حتى يتم إيقافه".
المشكلة الفرنسية
هناك العديد من الاختلافات السياقية بين الانقلابات المختلفة، ولكنها تشترك في قاسم مشترك واضح لا مفر منه: وهو انتشار المشاعر المعادية لفرنسا والتي تؤدي إلى رفض الوضع السياسي الراهن.
وفي قسم كبير من غرب إفريقيا ــ وفي كل بلدان المنطقة التي شهدت عمليات الاستيلاء الأخيرة المناهضة للديمقراطية ــ تمثل فرنسا القوة الاستعمارية القديمة.
استخدم الانقلابيون الاستياء من الإرث الإمبراطوري العميق والمعقد لباريس كسلاح، الأمر الذي أدى إلى ابتهاج روسيا، التي قدمت دعماً خطابياً وفي بعض الحالات، دعماً جوهرياً للأنظمة التي خططت للانقلابات، بحسب الصحيفة.
وكان هذا هو الحال في بوركينا فاسو ومالي، حيث اضطرت قوات حفظ السلام الفرنسية إلى الانسحاب بعد أن أوضح المجلس العسكري أن وجودها غير مرغوب فيه.
وفي النيجر، التي كانت لفترة طويلة محور جهود فرنسا لمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل المضطربة، تكثر الخطابات المناهضة لفرنسا.
والخميس، أمر المجلس العسكري في البلاد الشرطة بطرد السفير الفرنسي، وهي خطوة قال مسؤولون في باريس التي تعترف فقط بسلطة الرئيس المخلوع محمد بازوم، إنها "لا تعتبرها شرعية".
خلال زيارات الرئيس الفرنسي المتعددة إلى إفريقيا خلال فترة وجوده في منصبه، ألقى خطابا تلو الآخر مشيدا بقدوم علاقة جديدة مع القارة، من شأنها أن تبدد أعباء الماضي الثقيلة.
وفي عام 2017، دعا ماكرون في عاصمة بوركينا فاسو إلى تجديد "الشراكات" مع المنطقة، معربا عن آماله في الاستثمار في تعليم وتطلعات شباب القارة.
وقبل نصف عام، خلال رحلة شملت الغابون، أعلن ماكرون أن "أيام فرنسا الإفريقية قد انتهت حقا"، في إشارة ضمنية إلى تاريخ طويل من إعطاء فرنسا الأولوية لمصالحها التجارية ودعم المستعمرات السابقة.
وأشار إلى تحول ملموس في الاستراتيجية الأمنية، موضحًا كيف ستعمل القوات الفرنسية المنتشرة في المنطقة الآن بشكل حصري جنبًا إلى جنب مع القوات المحلية.
وقال في العاصمة الغابونية ليبرفيل، في تعبير آخر عن رغبته في تغيير أجواء العلاقات مع الدول الإفريقية: "لقد وصلنا إلى نهاية دورة من التاريخ الفرنسي كانت فيها المسائل العسكرية هي الأسبقية في إفريقيا.
وباء الانقلابات
والاثنين الماضي، مع استمرار تصاعد التوترات بشأن ما يجب فعله بشأن المجلس العسكري في النيجر، تحدث ماكرون أمام تجمع من الدبلوماسيين الفرنسيين وأعرب عن أسفه لـ"وباء" الانقلابات الذي يعصف بالمنطقة.
وبعد أقل من 48 ساعة، وقع الانقلاب في الغابون وبرّر الانقلابيون تحركهم بأنه رد على الانتخابات المتنازع عليها التي جرت نهاية الأسبوع الماضي.
قالت صحيفة "لوموند" الفرنسية إن "الانقلاب في الغابون أدى إلى إضعاف موقف فرنسا في موطنها الإفريقي القديم، حتى لو كان الوضع مختلفاً في هذا البلد الواقع في وسط القارة، والذي حكمته عائلة بونغو لأكثر من 5 عقود".
ووفق الصحيفة، فإن فرنسا ترتبط ارتباطا وثيقا بالوضع الراهن الراسخ لسلالة بونغو والفساد المزعوم الذي كان يرتكز عليه حكمها.
وأشارت مجلة "الإيكونوميست" إلى أن "روابط فرنسا الوثيقة مع النخب المحلية بعد الاستقلال، واستعدادها السابق للعمل كشرطي إقليمي لدعم القادة، قد ربط حظوظها بحظوظهم".
وكتبت الصحفية الجزائرية الفرنسية نبيلة رمضاني في مقال لها أن: "البطالة الهائلة بين الشباب ومعدل الأمية الذي يصل إلى 60% ليست سوى بعض من المشاكل المتوطنة التي يُلقى باللوم فيها على أسياد المستعمرين السابقين وشركائهم".
وفي رسالة لماكرون، تحدث مشرعون من يمين الوسط بالبرلمان الفرنسي في أغسطس الماضي، وقالوا: "اليوم، تم استبدال إفريقيا الفرنسية بإفريقيا الروسية العسكرية، أو بإفريقيا الصينية الاقتصادية أو إفريقيا الدبلوماسية الأميركية".
لم تعد فرنسا اللاعب الاقتصادي المهيمن في المنطقة، ففي الغابون، على سبيل المثال، حلّت الصين محلها كأكبر شريك تجاري، وهي تعمل في مجال جيوسياسي مزدحم يضم قوى عالمية مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين وتركيا.