تحتضن التلال والسهول الفلسطينية هذه الأيام موسمًا تراثيًا واقتصاديًا استثنائيا، لا يمر كغيره من المواسم، ويحمل في طياته مزيجا من الفرح بالأرزاق، والألم لفقدان جزء منها، والحسرة على أشجارٍ معمّرةٍ اجتُثّت من جذورها بلا رحمة. إنه "موسم قطف الزيتون"، الذي يُعتبر العيد السنوي للعائلات الفلسطينية، بل أكثر من مجرد نشاطٍ زراعيٍّ تقليدي، فهو تجسيدٌ حيٌّ للانتماء والارتباط بالأرض، تلك الرابطة التي تتعمّد القوات الإسرائيلية والمستوطنون المتطرفون تقويضها يومياً. فشجرة الزيتون، التي تذكرها النصوص المقدسة، وتوارثها الأبناء عن الأجداد، أصبحت ساحة لمواجهةٍ وجودية.
مكانة موسم الزيتون تتجاوز قيمته المادية بالنسبة للفلسطينيين، في ظل معاناة المزارعين الذين يخاطرون بأنفسهم للحفاظ على إرثهم وأرزاقهم، وسط تنكيلٍ إسرائيليٍّ متواصلٍ يسعى لسرقة فرحتهم بالقطاف، من دون أن ينجح في كسر إرادتهم أو قطع صلتهم بشجرةٍ هي رمز للسلام والصمود في أرض فلسطين، كما يقولون لمنصة "المشهد" من بساتين الزيتون المعمّرة.
"الأشجار أبناؤنا"
تجعل اعتداءات المستوطنين وانتهاكات القوات الإسرائيلية طقساً تراثياً يمتزج بالفرح إلى معركةٍ يوميةٍ من أجل البقاء. "الأشجار أبناؤنا.. والمستوطنون يقتلعونها أمام أعيننا"، يصف المزارع أبو ناصر (50 عاماً) من قرية بورين جنوبي نابلس علاقته بشجر الزيتون لمنصة "المشهد"، ويضيف: "هذه الأرض ورثتُها عن والدي وجدي، وأعرف كل شجرةٍ هنا باسمها، لكننا منذ سنوات لم نعد نعيش موسم القطاف بسلام. المستوطنون يهاجموننا ونحن نحصد، يمزقون أكياس الزيتون، ويرمون الحجارة. قبل أيامٍ اقتلعوا 30 شجرة زيتون مئوية كانت تكفيني وعائلتي طوال العام".
تتداخل فرحة الحصاد مع مذاق المرارة. تصف المزارعة أم خالد (57 عاماً) من قرية المغير شمالي رام الله بأن "الخوف يرافقنا في كل خطوة، الشجرة المباركة صارت سبباً لخوفنا". وتقول لـ"المشهد": "كنا نستعد لقطف الزيتون كالعيد، نجهز الطعام وتتجمع العائلة، حتى كنا نردد الأهازيج الشعبية. اليوم أتوسل لأبنائي ألّا يذهبوا للقطاف حرصاً عليهم من رصاص المستوطنين الذين يهددوننا بالسلاح ويهاجموننا برفقة القوات الإسرائيلية. قطف الزيتون أصبح مقاومة، وأصعب لحظة حين يمنعوننا من الوصول إلى أرضنا".
ومن صنوف معاناة الفلسطينيين، حيلولة القوات الإسرائيلية دون وصولهم لأراضيهم التي التهمها الجدار والاستيطان، كحال المزارع سليم غنيم (48 عاماً) من قرية الولجة غربي بيت لحم، الذي يختزل حكاية شعبٍ يقطف الزيتون من بين الحجارة والتهديدات، ويشكو صعوبة الحال لـ"المشهد" قائلاً: "أرضي تقع خلف الجدار، وأحتاج تصريحاً من الجيش الإسرائيلي للوصول إليها. التصريح يعطينا ساعات محدودة فقط، ولا يسمح لجميع أفراد عائلتي بالدخول. يمنعوننا من الدخول بحجة الوضع الأمني، وأخشى على المحصول أن يفسد هذا العام. الأرض تشكل المصدر الرئيسي لرزقي، الذي تسعى إسرائيل لقطعه عني كبقية الفلسطينيين".
دماء على أغصان الزيتون
بيدٍ تمسك بغصن الزيتون وأخرى تحاول صدّ اللكمات، تحوّلت فرحة الحصاد إلى كابوسٍ للمزارعة الفلسطينية عفاف أبو عليا (55 عاماً)، التي تعرّضت للضرب المبرح من قبل مجموعةٍ من المستوطنين أثناء قطفها لزيتون أرضها في قرية المغير شرق رام الله، في حادثةٍ ترويها لـ"المشهد" بين أنين الألم وإصرار العودة لأرضها.
تقول عفاف، التي لا تزال تظهر على جسدها كدمات الضرب: "كنت مع أبنائي نقطف زيتوننا، وفجأة هاجمنا مجموعة من المستوطنين، بدأوا يهتفون بشتائم ويطردوننا من أرضنا، وعندما وقفت أمامهم ورفضت المغادرة، أحاط بي أربعة منهم وبدأوا يضربونني بعنف".
وتضيف: "سقطت على الأرض من شدة الضرب، وكُسر ضلعي، لكنهم استمروا في الركل. كانوا يصرخون بأن هذه الأرض ليست لنا. ابني حاول حمايتي فتعرض للضرب. سأعود إلى أرضي لأكمل قطف ما تبقّى من زيتوننا. الضرب لن يرهبنا، فشجرة الزيتون علمتنا البقاء والعطاء".
من جانبه، أشار منسق الحملة الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان جمال جمعة لمنصة "المشهد"، إلى أن "زيت الزيتون يشكّل نحو 25% من الدخل الزراعي للأرض الفلسطينية، لكن في خضم هذا العام وصلت يد المستوطنين إلى مختلف المناطق الفلسطينية، ودمروا حقولاً بأكملها من أشجار الزيتون. وأصبح هذا المصدر الحيوي يتعرض لاستهدافٍ منهجيٍّ عبر عمليات الاقتلاع والحرق والتخريب التي ينفذها المستوطنون، غالباً تحت حماية الجيش الإسرائيلي الذي يغلق المناطق الزراعية بحجج أمنيةٍ واهية، مما يحرم المزارعين من الوصول إلى أراضيهم في ذروة الموسم، ويترك المستوطنين يهاجمونهم بالسلاح والحجارة والعصي، ويحرقون أشجار الزيتون بهدف إرهاب المزارعين ودفعهم لترك أراضيهم لتصبح لاحقاً مناطق توسّعٍ استيطانيٍّ جديد".
وبحسب جمعة خلال حديثه لـ"المشهد"، "نفّذ المستوطنون خلال العامين الماضيين أكثر من 7 آلاف اعتداء، أسفرت عن ارتقاء 33 فلسطينياً وتدمير قرابة 49 ألف شجرة، معظمها من أشجار الزيتون المعمّرة".
قطاف التحدي
تحوّلت تلال قرية كوبر شمالي رام الله إلى ساحة مواجهةٍ يومية، كحال معظم القرى. يقف الناشط والمزارع فهد أبو الحاج (45 عاماً) متحدّياً الجنود الإسرائيليين ودباباتهم التي تحاصر أرضه، ويقول لمنصة "المشهد": "الأرض تشهد على وجودنا، كل غصن زيتون أقطفه هو رسالة لأولادي بأننا لا نترك ما ورثناه".
لكن هذه الرسالة السلمية تواجه بعنفٍ مفرط، حيث أغلقت القوات الإسرائيلية المنطقة خلال موسم القطاف.
قصة المزارع أبو الحاج ليست فردية، بل هي نموذجٌ لمعاناة مئات المزارعين الفلسطينيين، حيث تتحوّل حقول الزيتون إلى ساحات صراعٍ وجوديٍّ. ويؤكد خلال حديثه لـ"المشهد" قائلاً: "في كل شجرة زيتون أرى شاهداً على تاريخ عائلتي، وكل غصنٍ يمثل جيلاً من الأبناء والأحفاد. لن نتوقف عن العودة لجني ثمارنا المباركة".