hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 المال السياسي.. لماذا يثير القلق في الانتخابات البرلمانية العراقية؟

المشهد

المال السياسي يؤثر سلبا على نزاهة العملية الانتخابية بالعراق (رويترز)
المال السياسي يؤثر سلبا على نزاهة العملية الانتخابية بالعراق (رويترز)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • المال السياسي يعكس تشوهات في بنية الطبقة الحاكمة منذ 2003.
  • محللون: المال السياسي ليس مالا خاصا إنما هو المال المنهوب من موارد الدولة.
  • غياب للكفاءات بالعراق والقوى السياسية المستقلة. 

تثير ظاهرة "المال السياسي" في الانتخابات العراقية المزمع إجراؤها في نوفمبر المقبل، أزمات متفاوتة، تتمثل في "التأثير على مسار العملية الانتخابية"، وفق مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، إذ تستخدمه القوى الحزبية التقليدية المتنفذة منذ عام 2003 للتأثير على الناخبين عبر "شراء الأصوات"، أو "تقديم المناصب والخدمات" لكسب الأصوات الانتخابية، مما يضر بالمرشحين المستقلين ويعمق الفساد ويقوض نزاهة العملية الانتخابية.

اتهامات ببيع وشراء البطاقات الانتخابية

وكان جهاز الأمن الوطني العراقي، قد كشف عن توقيف 46 شخصا قبل فترة وجيزة على خلفية اتهامهم ببيع وشراء بطاقات انتخاية، وقد تم ضبط نحو 1841 بطاقة في 4 محافظات هي الأنبار ونينوى وغرب نينوى وبغداد، بينما ذكر في بيان رسمي أن المتهمين تم نقلهم مع المضبوطات للجهات القضائية المعنية للبدء في الإجراءات القانونية بشأنهم.

إذا، في ظل وضع العملية السياسية بالعراق وتعقديات الساحة العراقية بكافة جوانبها الاجتماعية والسياسية والامنية والاقتصادية، أمسى للمال السياسي دوره المؤثر وبشكل كبير بفعل "تفشي الفساء وبروز مظاهر الدولة العميقة"، وفق الأكاديمي العراقي مثنى العبيدي.

ومن هنا تبرز الخشية من استخدام المال السياسي في الانتخابات البرلمانية، حيث من يمتلك هذا المال هم "فئة محدودة من السياسيين المنتمين الطبقة الحزبية التقليدية التي ظهرت بعد عام 2003 ومتنفذة حتى الآن".

ويقول العبيدي لـ"المشهد"، إن هذه الطبقة السياسية هي التي تقود عددا من القوى السياسية لمختلف مكونات المجتمع العراقي، لافتا إلى أنها استفادت من "صفقات الفساد واستأثرت بالمقاولات من خلال شركاتهم المختلفة بشكل أو بآخر، في حين أن المتضرر من المال السياسي في الانتخابات هم القوى السياسية غير الفاسدة والشخصيات المستقلة وغيرهم من المرشحين".

وبسؤال الأكاديمي العراقي عن آليات استخدام هذا المال من قبل المرشحين والقوى السياسية، يجيب: "يتجلى بالعديد من الصور؛ حيث هناك الآلية المباشرة التي تتمثل بشراء أصوات الناخبين مقابل مبالغ مالية تزداد في كل دورة انتخابية عن الأخرى، وبحسب تقارير إعلامية ومنظمات حقوقية، فقد ارتفعت مبالغ شراء الأصوات إلى أكثر من خمس أضعافها في الدورات الانتخابية الأولى بعد عام 2005".



كما أن هناك آلية تقديم الخدمات المختلفة منها الوظائف والمناصب الإدارية مقابل التأييد السياسي والأصوات الانتخابية، وهذه الظاهرة رافقت مختلف الدورات الانتخابية السابقة، وفق العبيدي، بالإضافة إلى توظيف بعض المنظمات الإغاثية والإنسانية لتقديم المساعدات الغذائية والمعيشية للترويج للمرشحين. ويلفت إلى استغلال "المرشحين من ذوي المناصب الحكومية العليا منح عقود المقاولات الكبيرة لمرشحي قوائمهم من أجل دعمهم المادي وكسب اصوات لهم".

ويختتم: "يضاف لذلك شراء وتوجيه الإعلام بوسائله المختلفة من أجل ضمان انحيازها لمن يدفع أكثر وتوجيهها لإضعاف الخصوم والمنافسين".

التهديد الأكبر

يتفق والرأي ذاته الناشط السياسي العراقي وسام الجبوري، والذي يؤكد على أن للمال السياسي "أدوارا سلبية" متعددة وبارزة للتأثير على المسار الديمقراطي في العراق، لافتا في حديثه لـ"المشهد" أنه يمثل "التهديد الأكبر" لهذا المسار، وذلك من خلال قيام الاحزاب السياسية ذات النفوذ الكبير في الحكومة باستخدام "الأموال الضخمة" التي تحصل عليها من خلال سيطرتها على موارد الوزارات والمؤسسات العامة بغرض توجيه هذه الموارد سواء كانت (أموال أو خدمات أو وظائف) لخدمة مرشحيهم في الانتخابات وشراء بطاقات الناخبين لضمان أصواتهم وتمويل الحملات الانتخابية بمبالغ ضخمة للغاية، بينما تبلغ أضعاف مايحصل عليه النائب من رواتب خلال دورته الانتخابية.

وهناك توجيه قسري للخدمات العامة لمؤسسات الدولة لجهة خدمة مناطق معينة على حساب مناطق أخرى، وذلك من أجل كسب الحواضن الانتخابية والحصول على أصواتها في الانتخابات، ناهيك عن "وعود بتوظيف الناخبين في حال تصويتهم لمرشحي تلك الأحزاب التي تدفع الأموال، وهذا سينتج عنه سيطرة الأحزاب ذات النفوذ الحكومي وتشكيل أغلبية برلمانية في مقابل إقصاء للمستقلين والأحزاب الناشئة، مما يخلق عدم تكافؤ للفرص وتكريس سلطة الفاسدين على حساب الكفاءات والنخب المستقلة"، وفق الناشط السياسي العراقي.

وعليه يرى الجبوري أنه من الضروري على المفوضية العليا المستقلة للانتخابات اتخاذ قرارات "رادعة وقوية وفورية لمحاسبة من يستخدم المال السياسي" للتأثير على قرارات الناخبين، ثم إنشاء "هيئة مالية رقابية" مرتبطة بمفوضية الانتخابات، تكون مهمتها "تدقيق مصروفات الأحزاب والمرشحين ومصادرها"، سواء كانت تلك المصادر خارجية أو داخلية، ووضع سقف محدد للانفاق وعدم السماح بتجاوزه بأي شكل من الأشكال.

لكن ثمّة رأي آخر ومغاير لمدير المرصد العراقي للحقوق والحريات عادل الخزاعي، والذي يرى أن المال السياسي في العراق ليس "مالا خاصا بمرشح أو حزب، بل هو المال العام المنهوب من خزائن الدولة ليُعاد ضخه في شرايين السلطة ذاتها"، مشيرا في حديثه لـ"المشهد" إلى أن "الكارثة لا تكمن في المال بحد ذاته، بل في منبع هذا المال ومن يوظفه لتزييف الإرادة الشعبية وتخدير المجتمع اليوم. فلم يعد خافيا أن كتلاً نافذة مثل ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي، وتحالف الفتح بزعامة هادي العامري، وتيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم، وحتى بعض فصائل ما يُعرف الإطار التنسيقي المدعومة من إيران، هي من أبرز من يوظف المال العام لأغراض انتخابية عبر الوزارات التي تسيطر عليها، أو عبر شبكات اقتصادية موازية داخل مؤسسات الدولة".

كما أن مكاتب "الحشد الشعبي" الاقتصادية، ومصارف مرتبطة بأحزاب نافذة، تُستخدم لـ"تدوير الأموال وغسلها" في الاستحقاقات الانتخابية، بدعوى أو تحت غطاء دعم الناخبين أو مشاريع خدمية، بحسب ما يقول مدير المرصد العراقي للحقوق والحريات.

ويؤكد على أن المال السياسي يخفي "شبكة مصالح تحمي نفسها بالمنصب، وتغذّي نفوذها بالمال العام، وتشتري الصمت والولاء والشرعية معا. فالمال الذي يُسرق باسم الإعمار، ويُصرف باسم الولاء، ويُبرر باسم الدين أو "المقاومة"، بينما المواطن يزداد فقرا والتيارات الحاكمة تزداد ثراء وتغولا وتغلغلا في السلطة ليس انحرافا عرضيا في الديمقراطية العراقية بعد 2003، إنما تشوه عام بالمسار السياسي وأزمة بنيوية مركبة في الطبقة الحاكمة". من ثم، فإن أي إصلاح انتخابي لا يطال هذه المنظومة المالية العميقة، سيبقى مجرد "تجميل لوجه فاسد لا يتغير"، وفق الخزاعي.